فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 188

والصحو في دين الصوفية هو رجوع العارف إلى الإحساس بعد سكرته بوارد قوى، وفيه يشهد العارف المغايرة بين الذات الإلهية ومظاهرها أو صفاتها، يشهد أن الكون ليس هو الذات الإلهية، وإنما هو تجليات أسمائها وصفاته، ومجال لأفعالها. أما المحو في دينها فهو امحاء الكثرة والغيرية، والخلقية المتنوعة المتعددة. وفناء السوية، وتجلى الوحدة المطلقة، فيرى الصوفي الخلق عين الحق، والمربوب عين الرب.

فثمت إذن فرق عند الصوفية بين الصحو والمحو، ولكن ابن الفارض أبي أن يؤمن بهذا الفرق المبتدع، فهتك الستر، ومزق القناع؛ ليكشف لك في قول صريح عن حقيقة معتقد الصوفية، ومضى مسرعًا يلهث؛ ليدرك فكرك قبل أن يؤمن بذلك الفرق بين الصحو وبين المحو!! وليؤكد لك أن دين الصوفية قائم من أول مرة على الإيمان بأن الله سبحانه هو عين خلقهّ!! على نفي كل مغايرة - مطلقة، أو مقيدة، إضافية، أو نسبية - بين الخالق والخلق، سواء في ذلك حال الصوفي في الصحو، وحاله في المحو، وهكذا صرح ابن الفارض في جرأة شرود بما يرمز عنه سواه من منافقي الصوفية، حين يفجؤهم برهان الحق، ولذا يقول.

إلى كم أواخي الستر، هاقد هتكته…وحل أواخي الحجب في عقد بيعتي

يعني أنه عاهد الحق حين بايعه على أن يهتك كل ستر، و يحل كل أنشوطة، حتى يرى كل ذي بصر أن الله يتمثل دائمًا في صور الخلق، وتتعين ذاته بذواتهم!!

وتدبر هذه الصراحة الصارخة الجرأة في قول ابن الفارض:"وذاتي بذاتي، إذ تحلت تجلت"تدبر تجد الزنديق، يأبى أن يثبت لربه ذاتًا، ويتعالى أن يجعل وجوده هو فيض وجود ربه، فلم يقل:"وذاتي بذاته"أو"ذاته بذاتي"وإنما قال: ليحكم بالعدم الصوفي على رب الوجود الحق، وخالقه:"وذاتي بذاتي"فليس ثمت إلا ذاته هو في الحالينّّ ألا تحس الجحود طاغي البغي؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت