قال أبو بكر، فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليً إلا أني كنت علمت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ذكرها (1) ، فلم أكن أفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو تركها قبلتها (2)
ففي هذه القصة فوائد تربوية ونفسية نفيسة نبو بها حسب الآتي:
1)السكوت أكثر إيلامًا
أن السكوت عن الرد بعد الطلب له وقع مؤلم على النفس أقوى من التسويف، والشاهد على ذلك أن عمر - رضي الله عنه - وجد في نفسه على أبي بكر أكثر عثمان - رضي الله عنه - ، فعثمان سوّفَ في الأمر، أما أبو بكر سكت عن الرد.
والسبب النفسي لمثل هذا الإيلام أن صاحب الطلب أو الحاجة لا يجد ما يلتمس به العذر للآخر، وحجته إن فُتِحَ الموضوع سيعتب على أخيه بقوله: (( ما منعه أن يقول لي كذا وكذا طالما يظن بأن له عذرًا ) ).
فلهذا على المسلم إذا طلب منه شيء أن يكون صادقًا و واضحًا، بحيث لا يعطي للآخرين عليه حجة بسبب سكوته، فمثل هذا السكوت يؤدي إلى الاستياء أو ردة فعل غير شرعية ، وتكون قد أعنت الشيطان على أخيك .
ومما ينبغي أن يعلم أن السكوت نوع من أنواع الإعراض ، وهنا تظهر حكمة أخرى لأمر رباني وهو: الإعراض عن الجاهلين ، أهمها:
الإعراض عن الجاهل في معظم الأحيان قد يسبب له ألما أكبر مما إذا رد عليه، مما قد يدفعه إلى أن يراجع حساباته مع العباد ورب العباد.
الإعراض عن الجاهل قد يكون سببًا في عدم تهييجه، وهذا يعني تخفيف من شره، وخصوصًا إذا كان عنده قدرة على الإيذاء .
شبهة ورد
قد يقول قائل: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يحجم على الرد في بعض الأمور فكيف التوفيق ؟
الجواب:
أ) معلوم شدة حيائه حيث كان أشد حياءً من العذراء في خدرها ومع هذا كان يعرف من وجهه المنكر إذا سكت .
(1) أي أنه - صلى الله عليه وسلم -قد أسره بأنه يريد أن يتزوجها .
(2) أخرجه البخاري: (( الفتح / النكاح / باب 33 / حديث 5122 / م9/ ص176 ) ).