وتوضيحا لسمة التشبيه في الأمثال نسوق هذا المثل (قبل الرماء تملأ الكنائن) ؛ إذ هو يضرب في الاستعداد للأمر قبل حلوله ، وهو معنى معقول شبه بحالة حسية، هى حالة الرجل يستعد للرمى قبل أوانه ، فيملأ جعبته سهاما . فالمضرب هنا وهو المراد أمر معقول لايدرك إلا بالفكر والنظر ، وهذا يعنى أن العرب لجأوا إلى صورة حسية منتزعة من البيئة ، فشبهوا بها تلك المعانى المعقولة وأخرجوها بهذا التشبيه من الخفاء والإبهام إلى الوضوح والجلاء .
ـ الكناية والتعريض:
إن أسلوب المثل يتسم بجودة الكناية والتعريض ؛ لأن المتمثل به لايصرح بالمعنى الذى يريده وهو مضرب المثل ولايعبر عنه بالألفاظ الموضوعة له في اللغة، إنما يخفى هذا المعنى ويعبر عنه بألفاظ أخرى هى ألفاظ المثل وهذا هو معنى الكناية والتعريض لغويا ، يقول ابن منظور:"والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره وكنى عن الأمر بغيره يكنى كناية ، يعنى أن تتكلم بغيره مما يستدل به عليه، وكنى الرؤيا هى الأمثال التى يضربها ملك الرؤيا، يكنى بها عن أعيان الأمور"، ويقول في موضع آخر:"والتعريض خلاف التصريح والمعاريض التورية بالشيء عن الشيء والتعريض قد يكون مضرب الأمثال ، وذكر الألغاز في جملة المقال" (1) .
وقيل: الكناية أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعانى فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ولكن يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ به إليه، ويجعله دليلا عليه مثل (طويل النجاد) أى طويل القامة (2) .
وتوضيحا لمفهوم الكناية نسوق هذا المثل (بلغ السيل الزبى) ، فهذا المثل يراد به الأمر يبلغ غايته في الشدة والصعوبة، لكن المتكلم أخفى هذا المعنى، ولم يستخدم الألفاظ التى وضعت له في اللغة، وكنى عنه بالألفاظ التى جاء عليها المثل.
(1) انظر: ابن منظور: اللسان: كنى ـ عرض
(2) انظر: عبد القاهر: دلائل الإعجاز 52