د. حاتم جلال التميمي
أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم- جامعة القدس / فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ أرسله الله للعالمين هداية وفرجًا، وارض اللهم عن أصحابه الأبرار الأطهار، كانوا للعالمين أئمةً وسرجًا.
وبعد ....
فإن حكمة الله تعالى قد اقتضت أن يختم رسالاته إلى الناس كافةً بكتابٍ شاملٍ كاملٍ، يبين للناس أمور العقيدة، والأحكام، والأخلاق. وما دام أنه الكتاب الخاتم فلا بد أن يُصان عن أيِّ تحريفٍ، وعن أيَّةِ زيادةٍ أو نقصانٍ؛ لأنه سيبقى الدستور الخالد للناس كافةً؛ إذ لا كتاب بعده، فضمن الله جلت قدرته لكتابه الخاتم أن يُحفظ فلا يتطرق إليه شكٌّ ولا ريبٌ؛ فقال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
واقتضت حكمة الله تعالى أيضًا أن يكون هذا الكتابُ هو الدليلَ على صدق من أنزله عليه، فلم تكن معجزةُ هذا النبي معجزةً حسيةً ماديةً؛ لأن آثار المعجزات المادية محصورةٌ فيمن يعاصرونها ويشاهدونها، ولكن كانت معجزةُ هذا النبيِّ معجزةً عقليةً باقيةً ما بقيت الدنيا، تحمل بين أسطرها الدليل على أن هذا الكتابَ هو كلامُ ربِّ العالمين. وكم من منصفٍ -قديمًا وحديثًا- قرأ في هذا الكتاب بعين بصيرته قبل أن يقرأ بعين بصره، وسمعه بقلبه قبل أن تسمعه أذناه، فلم يكن أمامه خيارٌ سوى أن يقرَّ بأن هذا الكتابَ هو كتابُ الله تعالى، وأنه هو الحق الذي يجب اتباعُه، وأنه كلَّ ما فيه حقٌّ وصدقٌ.