العاطفة، وفي النفس الإنسانية - كما يقول الدكتور محمد عبد الله دراز- قوتان: قوة تفكير وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها، فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم.
أولًا ترى القرآن في معمعة براهينه وأحكامه، لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق وتهويل وتعجيب، والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتي حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معًا.
ولقد كان من فضل الله علي أن دفع إلي الأستاذ سامي عامري بكتابه هذا الذي وسمه بسؤال يستدعي نظر من وقع عليه: (( هل القرآن الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى؟ ) )؛ فوجدته قد جمع فعلًا بين هذين الجناحين ما يقنع العقل ويمتع العاطفة، وعندما قلبت صفحات هذا الكتاب وجدته بحرًا لا ساحل له، فصاحبه قد أوتي حظًا من العلم، قد جمع أصول مادته العلمية من مظانها المبتغاة، فمصادره متنوعة، جمعت قواميس وموسوعات وترجمات ودراسات علمية للكتاب المقدس، من لغات مختلفة كالانجليزية والفرنسية وغيرها، فضلا عن المصادر القرآنية والتاريخية اللازمة له في تقرير ما يراه حقًا، زان ذلك كله أن الرجل قد أوتي نصيبًا وافرًا من الموضوعية فيما يقرأ ويكتب، فهو يتحرى الدقة والنزاهة والانصاف في كل خطواته، ولعمري إنها لصفات حريّ بالعلماء أن يتزينوا بها في كل شؤونهم، وصاحبنا هنا يناقش الشبهات والأباطيل المفتراه حول القرآن الكريم وحول الأنبياء عليهم السلام، من خلال مقارنات علمية جادة بين ما جاء في هذا القرآن وبين ما ورد في الكتاب المقدس والأسفار الموجودة في العهدين: القديم والجديد، ولا أعلم أحدًا قدّم جهدًا في هذا المجال وبهذا الأسلوب كما فعل الأستاذ سامي، فقد اثبت بالاستقراء التاريخي وبشهادة المنصفين من الغربيين أن السجلات التاريخية فضلا عن القرآن والسنة تُنكر وجود ترجمات عربية للكتاب المقدس قبل البعثة النبوية، وبذلك يزول الوهم وتسقط الدعاوى بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أفاد من أهل الكتاب فيما قرأه على قومه من القرآن، وهكذا فإن الدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات فأصحابها أدعياء. ولقد أثبت