ويؤكد ابن جنى أن السلب بمعنى النفي في قوله:"وذلك قولك: قام، فهذا لإثبات القيام وجلس لإثبات الجلوس وينطلق لإثبات الانطلاق وكذلك الانطلاق ومنطلق وجميع ذلك وما كان مثله إنما هو لإثبات هذه المعاني لا لنفيها. ألا ترى أنك إذا أردت نفي شيء منها ألحقته حرف النفي، فقلت: ما فعل ولم يفعل ولن يفعل ولا تفعل ونحو ذلك" [1]
ومع أن ابن جنى يضع السلب مرادفا للنفي بالأدوات المعروفة في العربية فإنه لم يهدف إلى ذلك من عقده هذا الباب ، وإنما هدَف إلى السلب أو النفي بوسيلة أخرى تتضح لنا في قوله:"...ثم إنهم مع هذا قد استعملوا ألفاظا من كلامهم من الأفعال ومن الأسماء الضامنة لمعانيها في سلب تلك المعانى لا إثباتها، ألا ترى أن تصريف (ع ج م) أين وقعت في كلامهم إنما هو للإبهام وضد البيان، ومن ذلك العجم لأنهم لا يفصحون..ثم إنهم قالوا: أعجم وأعجمت الكتاب إذا بينته وأوضحته، فهو إذًا لسلب معنى الاستبهام لا إثباته. ومثله تصريف (ش ك و) فأين وقع ذلك فمعناه إثبات الشكو والشكوى والشكاة وشكوت واشتكيت، فالباب فيه كما تراه لإثبات هذا المعنى؛ ثم إنهم قالوا: أشكيت الرجل إذا زلت له عما يشكوه ، فهو إذًا لسلب معنى الشكوى لا لإثباته، وفي الحديث:"شكونا إلى رسول الله حرّ الرمضاء فلم يشكنا"، أى فلم يفسح لنا في إزالة ما شكوناه من ذلك إليه. ومن ذلك (أ ث م) أين هي وقعت لإثبات معنى الإثم نحو أثم يأثم وآثم وأثيم، وهذا كله لإثباته، ثم إنهم قالوا: تأثّم أى ترك الإثم" [2] .
(1) انظر: المرجع نفسه 3/75
(2) انظر: نفسه 3/76: 81