وإذا كانت أفعال الرغبة مرتبطة بالسياق في إفادتها دلالة السلب للجملة التابعة؛ فإن أفعال الرفض منها ما يدل على السلب بمادته المعجمية كالفعل (أبى) [1] ، ومنها ما هو مرتبط بالسياق في إفادته دلالة السلب للجملة التابعة كالفعل (أمسك) ؛ فحينما نقول: (أمسك محمد القلم ليكتب) فدلالته الإيجاب، وحينما نقول: (أمسك محمد لسانه أن يتكلم) فالسياق يجعل الفعل يفيد السلب للجملة التابعة، ومنها ما يحمل أكثر من دلالة في مادته المعجمية إحداها السلب كالفعل (قلّ) ، وقد أشار النحويون إلى ذلك؛ حيث ذكروا أنه يدل على التقليل ويدل على النفي، وإذا لحقته (ما) الزائدة خلصت دلالته للنفي، وصار بمعنى (ما) أو (لا) النافيتين، وقال ابن هشام [2] : (قلّ) تستعمل للنفي قبل الكفّ بـ (ما) ، يقال: قلّ أحد يعرف هذا إلا زيد؛ ولهذا استعمل (أحد) وصحّ إبدال المستثنى بدلا من (أحد) أو من ضميره، ومن ذلك قول الشاعر:
قلّما يبقى على هذا القلقْ صخرةٌ صمّاءُ فضلا عن رمَقْ
وكذلك استشهدوا على أن (قلما) للنفي بقوله تعالى:"قليلا ما يؤمنون"أى لا يؤمنون، ولعل دخوله على الفعل الناقص الناسخ (برح) دليل على على أنه يفيد السلب؛ لأنه يقوم بوظيفة حرف النفي في قولهم:
قلما يبرح اللبيب إلى ما يورث المجد داعيا أو مجيبا
أي لا يزال اللبيب داعيا، ويقال: قلما يفعل ذلك إلا كريم، أي لا يفعله إلا كريم [3] .
(1) ذكر القرطبي عن الزجاج أن (أبى) تدل على المنع أو الامتناع، فهي تضارع النفي. انظر: الجامع لأحكام القرآن ـ تفسير الآية 32 من سورة التوبة.
(2) انظر: المسائل السفرية في النحو ص 12
(3) انظر: الغلايينى: جامع الدروس العربية 1/57، 58