فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 60

هؤلاء: (إنما ينبغي أن تنقُلهم من ديوان الأخوة، إلى ديوان الصداقة الظاهرة. فإن لم يصلحوا لها نقلتهم إلى جملة المعارف، وعاملتهم معاملة المعارف ومن الغلط أن تعاتبهم، فقد قال يحيى بن معاذ: بئس الأخ أخٌ تحتاج أن تقول له: أذكرني في دعائك) [1] .

يقول أبو العتاهية:

إن أخاك الحق من يسعى معك ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب زمان صدعك فرّق من جميعه ليجمعك

ونحن قد نستغرب ما كان من أحوال السلف مع إخوانهم، بل يكاد البعض يعتبره شيئا خيالا، أو مادة صيغت للأدب الأسطوري، لأننا ما تربينا على هذه المعاني، ولم نكن يوما إخوة على التحقيق، بل نحن معارف فقط، يؤلفنا الجنس الواحد ويجمعنا المكان أو الجوار أو الوظيفة الدنيوية، ولا أكثر من ذلك. ونستبعد وقوع ذلك؛ لأن أخوّتَنا مزيفة واجتماعنا على الدنيا والمنفعة من طرف واحد. ولأننا نريد إخوة يتحمّلون مؤونتنا ويصبرون على أذانا، وليس في نيتنا أن نكون نحن كذلك. (قال رجل للجنيد: قد عزّ الإخوان في هذا الزمان، أين أخ لي في الله؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثا، فلما أكثر قال له الجنيد: إن أردت أخًا يكفيك مؤنتك ويحتمل أذاك، فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخًا في الله تحمل أنت مؤنتة وتصبر على أذاه فعندي جماعة أعرفهم لك. فسكت الرجل) [2] .

وكان من حكمة الله تعالى أن جعل المودة الناتجة عن الأخوة الإيمانية أقوى من أخوة النسب، ومن ذاق هذه وهذه عرف الفرق، حتى قيل: القرابة

(1) ابن الجوزي في صيد الخاطر 1/ 293.

(2) الغزالي في إحياء علوم الدين2/ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت