يقول ابن الجوزي رحمه الله: (هيهات رحل الإخوان وأقام الخُوّان، وقلَّ مَن ترى في الزمان من إذا دُعي مان [1] ، كان الرجل إذا أراد شَيْن أخيه طلب حاجته إلى غيره) [2] . وهذا كلام غاية في الاستقامة، جرى على قلم رجل مُجرَّب، خالط الناس دهرًا طويلًا فعجم عيدانهم وعرف معادنهم. ثم تأمل عبارته: (كان الرجل إذا أراد شين أخيه، طلب حاجته إلى غيره) ، فتحتَها معنى يسيل رقة وذوقًا، كان قضاء حوائج الإخوان شرفا يرتقى، وكان من عتاب الفضلاء لإخوانهم أنهم إذا احتاجوا طلبوا حاجتهم من غير إخوانهم، فإذا علم إخوانهم ذلك، شعروا بالشين وسقوط الشأن.
الأخوة الحقة تظهر ثمرتها في الشدائد والظروف الحرجة، ولا يعتد بالأخوة ما دامت في أيام الرخاء حتى يثبت صدقها، وصدقها إنما يتبين في النوائب والملمّات، فهي التي تكشف معادن الرجال النفيسة والخسيسة، فمن ثبت مع أخيه وقت الشدة وبذل ما في وسعه، فذلك الأخ حقا، ومن تجاهل وتخاذل، فأخوّته ليست أكثر من مجاملة عاطفية. وما أجود قول أبي المظفر الأبيوردي:
جزى الله الشدائد كل خير ... وإن كانت تُغَصِّصُني بِريقي
وما شكري لها إلا لأني عَرَ ... فْتُ بها عدوي من صديقي
إن الشدائد تضع الرجل أمام ثلاثة أشخاص: إما عدو يفرح بمُصابه أو حاسد يشمت به أو أخ ينصره، فإذا هجم عليك طارئ، أو باغتتك حاجة، ثم انكشف عنك إخوانك وكأنهم لا يعرفونك، فأعد النظر في عقد الأخوة وابحث في تضاعيفه عن الخلل، وعليك بنصيحة ابن الجوزي رحمه الله في معاملة أمثال
(1) (مانَ الرجلُ أَهله يَمُونُهُمْ مَوْنًا ومَؤُونةً: كفاهم وأَنفق عليهم) . لسان العرب 13/ 425.
(2) ابن الجوزي في التبصرة 2/ 203.