فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 60

"أحبك في الله"لما أُفرغت من محتواها وجُرّدت عن مقتضياتها، وقعت خفيفة على اللسان، أما سلوك البذل، فثقيل على النفوس والأبدان. والمقصود أن عاطفة الحب في الله تستتبع -ولا بد- سلوك البذل في الله وتدعو إليه، لأنه هو برهان صدقها. عن سفيان بن عيينة رحمه الله قال: (سمعت مُساور الوراق يحلف بالله - عز وجل: ما كنت أقول لرجل إني أحبك في الله - عز وجل - فأمنعه شيئا من الدنيا) [1] .

يقول علي بن الحسين رحمه الله: (إني لأستحيي من الله أن أرى الأخ من إخواني، فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان غدا قيل لي: لو كانت الجنة بيدك لكنت بها أبخل وأبخل) [2] . هؤلاء القوم صفَت سريرتهم وصحّت سيرتهم وقلّت ذنوبهم، فأطلعهم الله تعالى على علل النفوس ودقائق الأمراض.

بناء على ما سبق وذكرت، لاح لي أن أسوق بعض الأقوال والأحوال التي صدرت عن السلف رحمهم الله تعالى، هؤلاء النجوم السواطع في سماء الكون، الذين لم يوجد لهم نظير في أمة من الأمم، ولو وجدوا في أمة أخرى لاتخذهم الناس أحبارا ولَشربوا غُسالة أرجلهم. ومن نظر في هذه الأقوال والأحوال، علِم مقدار بعدنا عن حقيقة الأخوة، ولافتضح زاعموها على رؤوس الثقلين.

وهي نماذج أسوقها من السمو الخلقي، والاستعلاء الروحي، وهي قطرة من مَطرة، وقد انتفخت منها بطون الكتب، عسى أن تكون على الطريق منارات، وخطوة تتبعها خطوات، وهاكَ طائفة منها:

(1) ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان 1/ 202.

(2) الذهبي في سير أعلام النبلاء 4/ 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت