قال لبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ويُعاب قائلهم وإن لم يشْغَب [1]
عن الزهري أن عائشة رضي الله عنها ذكرت هذين البيتين فقالت: (فكيف لو أدرك لبيدُ قومًا نحن بين ظهرانيهم؟، قال الزهري: وكيف لو أدركت عائشة من نحن بين ظهرانيهم اليوم؟) [2] . أقول: وكيف لو أدرك لبيد وعائشة رضي الله عنها والزهري من نحن بين ظهرانيهم اليوم؟!.
تخيّل أخاك وهو يدعو لك بالجنة، ومع ذلك هو يبخل عليك بدرهمه، هذا الأخ لو كانت الجنة ملكا له، ألا يبخل بها عليك من باب أولى؟ بلى!. هذا المثل المضروب يعكس التناقض بين القول والفعل، وما يغني عن المرء قوله إذا خانه عمله؟، (ما المرءُ بأصْغَريه: قلبه ولسانه، المرءُ بأكْبَريه: عمله وإيمانه. وما يغني عنه أصغراه، إذا خانه أكبراه؟) [3] .
لو كرّر اللسان كلمة"حلْوى"ألف مرة، فلن يجد طعم الحلاوة إلا أن يتذوقها. فإلى من يزعم الحب في الله - عز وجل -، ويكثر من ذلك بلسانه في المجالس وغيرها، أسوق الحديث القدسي: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ» [4] .
أين البذل في الله - عز وجل -، إلى جانب الحب فيه؟، ولماذا واحدة دون الأخرى، وكلاهما ورد في سياق محبة الله تعالى للعبد؟. والجواب: لأن كلمة
(1) (وإِن لم يَشْغَبِ: أَي وإِن لم يَجُرْ عن الطريقِ والقَصْدِ) . لسان العرب 1/ 504.
(2) الزهد لابن المبارك 1/ 61.
(3) الزمخشري في أطواق الذهب 1/ 9. ومقصود الزمخشري أن القلب واللسان إذا خليا من الإيمان والعمل الصالح لم ينتفع بهما العبد حتى لو أوتي قلبا حافظا ولسانا لافظا.
(4) مسند أحمد بن حنبل 5/ 236. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/ 92.