فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 60

أخلاقَ قوم مضَوا

(كان للحسن بيت إذا فُتح بابه فهو إذنُه، فمن جاءه من أصحابه فرأى الباب مفتوحًا دخل ... فجاء رجل فرأى الباب مفتوحًا فدخل فنظر فلم يرَ الحسن في البيت ... فنظر إلى سلة تحت سريره فجرها إليه فإذا فيها طعام فأقبل يأكل منه ... وأقبل الحسن من مخرج له، فلما رأى ما يصنعه الرجل قام ينظر إليه، ثم جعلت عينه تدمع وجعل يبكي. فقال له الرجل: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ قال: ذكّرتني أخلاقَ قوم مضَوا) [1] .

ابتلينا في زمننا بكثرة الكلام وطغيان التنظير على الممارسة، تسمع القول ما أعجبه! وترى الفعل تتعجب منه. وكما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (لا يعجبنّكم من الرجل طَنْطنته، ولكنه من أدّى الأمانة، وكفّ عن أعراض الناس، فهو الرجل) [2] . لله درك يا أبا حفص! لو ترى هذه الطنطنات حول الأخوة في المجالس وعلى الشاشات، وقد اتسعت الفجوة على أصحابها بين أقوالهم وأفعالهم.

كانت الأخوة فيما مضى تكليفا لا تشريفا، كانت سعيًا وعملًا، كانت الفرج في الشدة والمخرج في الضيق. قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: (كنا إذا فقدنا الأخ أتيناه، فإن كان مريضًا كانت عيادة، وإن كان مشغولًا كانت عونًا، وإن كان غير ذلك كانت زيارة) [3] ، فلم يكتفوا - رضي الله عنهم - بشعور فقده بل كانوا يأتونه ويتفقدونه وينظرون في حاجته.

هذه هي أخلاق القوم الذين مضوا.

(1) الزهد للإمام أحمد بن حنبل 1/ 312 - 313.

(2) الزهد لابن المبارك 1/ 243.

(3) شعب الإيمان 6/ 538.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت