والموقف نفسه يتكرر من عمر ر مع رجل آخر إذ كان رجل من أهل الشام ذو بأس يفد إلى عمر ر ففقده عمر، فقال: مافعل فلان بن فلان، فقالوا: ياأمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب، قال: فدعا عمر كاتبه فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لاإله إلا هو إليه المصير، ثم قال لأصحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر ر جعل يقرأه ويردده ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي.
وفي رواية: فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه وادعوا الله لأخيكم أن يتوب عليه، ولاتكونوا أعوانًا للشيطان عليه [1] .
العمل والمشاركة الدعوية
لاشك أن للدعوة والعمل آثار على نفس صاحبها قبل غيره:
* فهي سبب لتوفيق الله سبحانه وهدايته له؛ إذ الجزاء من جنس العمل، فمن يسعى لهداية الناس ودلالتهم على الصراط المستقيم يثيبه تبارك وتعالى بمزيد من الهداية والتثبيت.
وحيث كان الجهاد سببًا بإذن الله لهداية الناس وعد الله المجاهدين في سبيله أن يهديهم إلى سبيله وصراطه {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} .
* والذي يدعو إلى الله يشعر أنه بمزيد حاجة لأن يتمثل هذه المعاني التي يدعو إليها في نفسه، ويشعر أن الناس ينظرون إليه نظرة اقتداء وإجلال؛ فيدعوه ذلك للعمل بما يدعوهم إليه وتمثله في نفسه، وإلى البعد عن مواطن الريبة والغواية، كصحبة الأشرار وغير ذلك من الوسائل، بخلاف من لايدعو.
* والذي يدعو لمبدأ - أي مبدأ - يزداد اقتناعًا به، وحرصًا عليه، فكيف بالمسلم الذي يدعو الناس لدين الله والاستقامة على طاعته.
(1) - تفسير ابن كثير (4/107)