وقد كان أصحاب النبي ز يسلكون هذا المسلك مع أولئك الذين يتنكبون الطريق، فتروي لنا كتب السيرة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"وكنا نقول: مالله بقابل ممن افتتن صرفًا ولاعدلًا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، قال: فلما قدم رسول الله ز المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لاتنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لاتشعرون} قال عمر ر فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص ر قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم افهمنيها، فألقى الله عز وجل في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله ز في المدينة". [1]
لقد كان عمر بن الخطاب ر يدرك مسؤوليته تجاه أخيه، ومن ثم تتحرك يده لتسطر له هذه الرسالة، وربما قفز إلى ذهنه تساؤل:هل سيفهم هشام بن العاص الصحيفة؟ وعلى فرض فهمها فهل سيهاجر إلى محمد ز وصحبه؟ هذه استفهامات العاجزين القاعدين، الذين يديرون أمورهم بالنيات فقط.. وبالقول لابالعمل، ولكن عمر ر يلقن هؤلاء هذا الدرس العظيم {وماعلى الرسول إلا البلاغ} وقد نجح البلاغ هنا - بإذن الله - وتحققت جميع هذه الاستفهامات، ونفع الله بهذه الصحيفة، وهاجر هشام بن العاص إلى المدينة على يد عمر ر . إن جيلًا فيه أناس بنفسية عمر لهو جيل عامل نشيط، وهكذا فلنكن مثل عمر وبمثل عزمة وحرصه على هذا الدين" [2] ."
(1) - وانظر تفسير ابن كثير (4/91)
(2) - مجلة البيان عدد 87 (70-71)