الصفحة 8 من 19

-المطابقة الدلالية:

اشترط النحويون أن يكون الفصل من الضمائر المنفصلة المرفوعة الموضع؛ لأنّ فيه ضربًا من التوكيد، والتوكيد يكون بالضمير المرفوع المنفصل، وقد أشاروا إلى أنّ التوكيد هو المؤكد في المعنى (48) ، وهذا يدل على أنّ ضمير الفصل هو الأول في المعنى.

لقد أوضح سيبويه أهمية مطابقة الفصل لما قبله دلاليًا فقال:"إذا قلت: كان زيدٌ أنت خيرٌ منه، وكنت أنا يومئذٍ خيرٌ منك، فليس إلاّ الرفع؛ لأنك إنما تفصِلُ بالذي تعني به الأول، إذا كان ما بعد الفصل هو الأول، وكان خبره، ولا يكون الفصل ما تعني به غيره، ألا ترى أنك لو أخرجت (أنت) لاستحال الكلام، وتغيّر المعنى وإذا أخرجت (هو) من قولك: كان زيدٌ هو خيرًا منك، لم يفسد المعنى ..." (49) .

-المطابقة في التكلم والخطاب والغيبة:

يجب أن يكون الفصل مطابقًا لما قبله في التكلم والخطاب والغيبة، وتعد هذه الصورة من التطابق أمرًا لا بد منه؛ لأنّ عدم مراعاة ذلك قد يؤدي إلى الخروج عن هذا الباب إلى آخر غيره، ففي قوله تبارك اسمه: {إِنَّهُ أَنا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (50) ، نلحظ أنّ الضمير (أنا) قد اخرج عن باب الفصل؛ لأن صورة التطابق التي اشترطها النحاة لم تتحقق في التركيب، فالضمير (أنا) للمتكلم في حين أّن (الهاء) في (إنّه) للغياب، لذا فإنّ هذا التركيب يدخل في باب آخر وهو باب ضمير الشأن والقصة؛ لأنّ (الهاء) في (إنّه) ضمير الشأن، والجملة المكونة من المبتدأ والخبر: (أنا الله) خبر (إنّ) .

أما في قول الشاعر (51) :

وكائِنٌ في الأباطِحِ مِنْ صَدِيقٍ ... يَرَاني لَوْ أُصِبْتُ هُوَ المُصَابَا

فنرى أنَّ ضمير الفصل (هو) ورد بلفظ الغيبة فلم يطابق ما قبله؛ لأن المفعول الأول وهو (الياء) في: (يراني) ، ضمير تكلم، فإذا حملناه على هذا الوجه لم يجز أن يكون (هو) فصلًا (52) . أما إذا حملناه على حذف المضاف فيجوز الفصل، أي أن الأصل: يرى مصابي هو المصابا، فحذف المضاف الذي هو (مصاب) ، ثم أقيم المضاف إليه وهو (الياء) في (يراني) مقامه (53) .

وقال بعضهم إنّ (هو) بمنزلة نفسه، فإذا أصيب في نفسه فكأن صديقه قد أصيب، فجعل ضمير الصديق مؤكدًا لضميره؛ لأنّه في المعنى مجازٌ واتساعٌ (54) .

وقد ورد الفصل في التراكيب الواردة في القرآن الكريم جميعها (55) موافقًا لهذه الصورة من التطابق، فعلى سبيل المثال جاء الفصل مطابقًا لما قبله في التكلم، كقوله جلّ شأنه: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذيرُ المُبِينُ} (56) ، وكذلك جاء الفصل مطابقًا لما قبله في الخطاب، كقوله تبارك وتعالى: { ... إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} (57) ، ومثال ما جاء فيه الفصل مطابقًا لما قبله في الغيبة، قوله جلّ وعز: { ... إِنَّهُ هُوَ التَّوابُ الرَّحِيمُ} (58) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت