عندهم هو ما جاز حذفه دون أن تتأثر العلاقة الإسنادية في الجملة، وقد عدَّ أكثرُ النحاة ضمير الفصل زائدًا يصح التركيب بسقوطه، فلا يضطرب، أو يختل شيء من الكلام (14) .
ولكن مع ذلك فإنهم حريصون أشدَّ الحرص على ذكر الوظيفة التي يقوم بها هذا العنصر، ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فلا يكتفي بذكر وظيفة واحدة، وإنما يذكر له وظائف متعددة حين يرد في التركيب (15) . ويبدو أن اهتمام النحاة بهذا النوع من الضمائر واضحٌ جليٌ، فقد نظروا في مسائله المتعددة فوضعوا الكثير من الأحكام التي تخصه، ويؤخذ مما ذكروه أن لهذه الضمائر وظيفتين:
أولًا: الوظيفة النحوية
ذكر النحاة أن الغرض من الفصل هو الإعلام من أول وهلة بكون الخبر خبرًا لا صفةً (16) ، ولهذا سماه البصريون (فصلًا) ؛ لأنه يفصل بين الخبر والتابع (17) .
أما الكوفيون فسموه عمادًا لكونه حافظًا لما بعده حتى لا يسقط عن الخبرية كالعماد في البيت، الحافظ للسقف من السقوط (18) . لذلك ذهب بعضهم إلى أنه مع ما بعده كالشيء الواحد (19) . وإنَّ معنى الكلام يعتمد عليه (20) ، في حين ذكر بعضهم أنه عمد الاسم الأول، وقواه بتحقيق الخبر بعده (21) . قال الفرّاء (ت 207هـ) :"أدخلوا العماد ليفرقوا بين الخبر والنعت أي بين الخبر والتابع، أي النعت، فإذا قلنا: زيد العاقل، فإن الخبر يلتبس بالنعت، أما إذا قلت: زيدٌ هو العاقلُ، فإن ما بعد العماد يتعيّن للخبرية" (22) .
ذكر سيبويه (ت180 هـ) أن ضمير الفصل يجيء إعلامًا بأنه قد فصل، وأنّ المتلقي ينتظر ويتوقع ما لا بد له من الذكر (23) . وأنّ مجيئه دليل على أنّ ما بعد الاسم لا يخرجه مما وجب عليه (24) .
وقال الزجاج (ت 311هـ) : إن الفصل يدخل إعلاما بأنّ الكلام لم يتم (25) ، وقد نسب بعضهم إليه أنه يرى أنّ الفصل يدخل إعلاما بأنّ الخبر معرفة أو ما قاربها (26) .
وقيل إِنّه سُمِّي فصلًا؛ لأنّه فصل بين المبتدأ والخبر، وهذا يُغنينا عن القول إِنّ بعض هذا الباب محمول على بعض (27) .
ويرى المستشرق برجشتر آسر أنّ ضمير الفصل يدخل لربط المبتدأ بخبره، وأن هذه الوسيلة في الربط قديمة شائعة في اللغات السامية، وربما تكون هذه الوسيلة أقدم من وسيلة الربط بالأفعال التي معناها (كان) (28) .
ولكن ما قاله المستشرق ليس جديدًا، فهو رأي أحد علماء العربية، فقال الأشموني (ت929 هـ) :"وإذا كان الرابط من جملة الخبر ضميرًا فقد يكون هذا الضمير مرفوعًا، وقد يكون منصوبًا، وقد يكون مجرورًا، فإذا كان مرفوعًا، فقد يكون مبتدأً، نحو قولك: محمدٌ هو القائمُ، بناءً على بعض المذاهب" (29) .
ويبدو من خلال آراء النحويين أنّ الوظيفة النحوية لضمير الفصل في أغلبها هو التفريق بين الخبر والنعت، والواقع أن هذا الضمير لا يؤدي هذه الوظيفة في جميع التراكيب التي يرد فيها، فقد جاء في تراكيب