العلم، وحثته عليه، وربته على تحصيله، واسمع إلى الإمام مالك وهو يحكي ذلك فيقول: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت لي: تعال فالبس ثياب العلم!! قال: فألبستني مسمرة! ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت لي: اذهب فاكتب العلم الآن!! وكانت تقول لي: اذهب إلى ربيعة الرأي، فتعلم من أدبه قبل علمه!!
وهذا الإمام الشافعي محمد بن إدريس -رحمه الله- كان ثمرة مباركة لأم صالحة عظيمة، فقد مات أبوه، وهو جنين أو رضيع فتولته أمه بعنايتها، وأشرفت عليه بحكمتها، وكانت امرأة عاقلة فاضلة، من فضليات عقائل الأزد، وكانت -رحمها الله-، باتفاق النقلة من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة [1] !!
قال عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: حدثني مشايخ أهل المدينة أن فروخًا أبا عبد الرحمن بن ربيعة رحمه الله، خرج في البعوث الغازية إلى خراسان أيام بني أمية، وكان ولده ربيعة يومئذ جنينًا في بطن أمه!! وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار!! فغاب عن المدينة فترة طويلة من السنين، ثم قدمها بعد سبع وعشرين سنة!! وهو راكب فرسًا وفي يده رمح، فلما وصل المدينة توجه إلى منزله، ودفع الباب برمحه، دخل الدار!! فخرج إليه ربيعة وهو لا يدري أنه أبوه، وقال له: يا عدو الله، أتهجم
(1) كتاب (عودة الحجاب) لمحمد بن إسماعيل، (2/ 204) بتصرف.