بقوله:"أيضًا إذا بدا لإنسان أن يعتنق النصرانية مثلاُ، فهذا لون من الاختيار يستوجب منا الحوار مع هذا الإنسان"!
ومن ثم، فقيام الديمقراطية ـ كما يشير داريوش شايغان ـ يتطلب علمنة العقول والمؤسسات، أي أن من شروط قيام الديمقراطية تبني العلمانية التي تعني الاعتراف بحرية العقائد والأيدلوجيات، والسماح لها بالدعوة إلى ما تؤمن به، من منطلق حقها المطلق في الوجود، وفي الإيمان والدعوة إلى ما تؤمن به. وقد أشار منصور الكيخيا إلى أن قيام الديمقراطية ونجاحها يتوقف على تبني العلمانية،"أي الاعتراف بحرية جميع العقائد والأيدلوجيات والتعايش السلمي بينها، وإحلال الحوار بينها بدلًا من قمعها".
كما أن قيام الديمقراطية يقتضي علمنة المؤسسات السياسية في الدولة، فقد أكد حيدر علي أن هناك مؤسسات وأجهزة يؤدي وجودها واستمرارها إلى إعاقة الديمقراطية؛ مثل هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة التي تقوم بمراقبة الشارع الإسلامي، والتأكد من التزام الأفراد بأداء الصلاة أو عدم الإفطار في رمضان، والالتزام بالزي الإسلامي، والسلوك الإسلامي. ويضيف الكاتب قائلًا:"هذه نماذج لمؤسسات ضرورية تعمل عمل الدولة على المستوى الشعبي وبالتالي تصدر عقوبات وتتسب في مضايقات للمواطنين. وهي غالبًا ما تصطدم بالحريات الشخصية وتتدخل في شؤون الآخرين"!!
ومن ثم، فبقاء مثل هذه المؤسسات يشكل عقبة في وجه بناء مجتمع ديمقراطي تعددي، فالديمقراطية تقتضي ليس فقط علمنة العقول بقبول الآخرين والاعتراف بهم، وإنما تقتضي أيضًا إلغا المؤسسات الدعوية والأخلاقية التي تصطدم مع الحرية الفردية وتتدخل في حياة الأفراد الخاصة.
يتضح مما سبق أن الديمقراطية ليست إجراءات عملية شكلية تختزل صورة انتخابات دورية وتداول للسلطة وغيرها، وإنما هي نظام للحياة قائم على شروط موضوعية جوهرها قائم على النظرة الفردية للإنسان المستمدة من الفكر الليبرالي الذي يجعل الفرد غاية البناء الاجتماعي، والذي يؤكد انعدام"القيم المشتركة"أو الجماعية كما سبق أن بينا، ونظام الحياة قائم على الحرية الفردية التي تعني حق المرء في اختيار ما يراه مناسبًا من أفكار، وقيم، وأخلاق، ودين، وطريقة للعيش دون تدخل أي قوى خارجية، فالمرء سيد نفسه).