فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 18

وما خبزه إلاّ كعنقاء معرب ... تصوَّرُ في بُسطِ الملوك وفي المَثلِ

يُحدِّث عنها الناسُ من غير رؤيةٍ ... سوى صورةٍ ما إنْ تمرُّ ولا تُحلى

وما خبزه إلا كليب بن وائل ... ومن كان يحمي عزه منبت البقل

وإذا هو لا يستب خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجد ولا هزل

فإن خبز إسماعيل حل به الذي ... أصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل

ولكن قضاء ليس يستطاع رده ... بحيلة مكرٍ ولا فكرة ذي عقل (27)

وفي موضع آخر كان الجاحظ يتحدث عن الكلاب فأورد أرجوزة لأبي نواس يصف سرعة الكلب قائلا:

فانصاع كالكوكب في انحداره ... لفت المشير موهنا بناره

شدًَّا إذا أخصف في إحضاره ... خّرَّقَ أذنيه شبا أظفاره

وقد أنشد الجاحظ الأرجوزة بتمامها ثم علل ذلك بأنه أورد رجز أبي نواس للقارئ في ذلك الباب لأن أبا نواس كان عالما وراوية، وأنه لعب بالكلاب زمانًا وهو يعرف عنها أكثر مما يعرف الأعراب؛ وهذا مما نراه بصورة واضحة في شعره حيث يأتي وصف الكلاب فيه مفصلا في آراجيزه كما يقول الجاحظ. وهو يرى أن تلك الأوصاف قد جاءت في شعر مطبوع وصياغة جيدة، ومهارة فنية. ويقرر الجاحظ أن الناظر في شعر أبي نواس بعين الاعتبار لابد أن يفضله على غيره إلا إذا كان منساقًا وراء العصبية، أو يكون ممن يعتقد أن البدو على عمومهم أشعر من المولدين. وإذا كان المرء كذلك فإنه لن يكون قادرًا على أنْ يفرق بين الحق والباطل (28) .

الشعر وعلاقته بالعرق والغريزة والبيئة:

لم يستخدم الجاحظ مصطلح المحدثين وإنما كان يدعوهم بالمولدين، وهذا أمر له أهميته إذ يقودنا إلى مفهومه حول الشعر وعلاقته بالعرق. فالجاحظ بدلًا من أنْ يخوض مع النقاد الأوائل من الرواة والعلماء حول النزاع في أفضلية القدماء أو المحدثين نجده ينقل الأمر إلى ميدان الأعراق؛ فيوازن بين العرب (من الحضر والبادية) والمولدين ليقرر أن أغلبية العرب، والأعراب من البدو والحضر هم في الواقع أشعر من أغلبية المولدين لكن ذلك ليس على إطلاقه في كل ما قالوه. والفرق بين المولد والأعرابي عند الجاحظ هو أنَّ المولّد إذا بذل أقصى ما لديه من جهدٍ مع التركيز العقلي فإنه سيأتي بالأبيات الجيدة التي لا تقل جودة عمَّأ يأتي به البدوي، غير أنَّ المولّد لا يقدر على مواصلة ذلك وأنه سرعان ما يقصر نَفَسهُ وتخور قواه فيصير كلامه تخليطًا (29) . ويرى الجاحظ أن هناك عوامل ثلاثة إذا توفرت لدى مجموعة من الناس فإنها تؤهلها لنظم الشعر، وهذه العوامل هي: الغريزة، والبلد، ثم العِرق (30) . وكما يرى بعض الدارسين فإنَّ الجاحظ في تبنّيه لهذه النظرة

فيما يتعلق بالشعر؛ يخالف ابن سلام الذي ربط كثرة الشعر بالحروب (31) . وقد لاحظ الجاحظ في هذا الصدد أن بني حنيفة وقد كانوا كثيري العدد، واتصفوا بالشجاعة والفروسية، وخاضوا كثيرا من الحروب، وكان يحيط بهم الأعداء من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت