كل جانب، كما كانت القبائل الأخرى تحسدهم؛ إلاّ أنّهم مع ذلك كلّه قد كانوا أقل القبائل شعرًا (32) وكذلك لاحظ الجاحظ أن قبيلة عبد القيس، وقد كانت بلادهم كثيرة الخصب، لم يكن عندهم شعر كثير. وهذا الأمر ينطبق على قبيلة ثقيف إلاّ أن شعرهم كان مطبوعا جدا (33) .
وكيفما كان فإنَّ الجاحظ قد سلك اتجاهًا مختلفًا، في ايجاده نظرية تضع القدماء في مقابل المولدين. ويبدو لنا، على الرغم من أن الجاحظ قد اتبع طريقًا وسطًا في الحكم على القدماء والمحدثين، لكنه في حقيقة الأمر لم يكن في أغوار نفسه، يحمل أي انحراف تجاه القدماء وهم الذين يمثلون إلى حدٍّ ما العرب (خاصة الأعراب) الذين وازن بينهم وبَيْن المولّدين. وكما ذكرنا فإنّ الجاحظ لم يكن معنيًا كثيرًا بالصراع حول القدماء والمحدثين وإنما كان أكثر اهتمامًا بالموازنة الشعرية من وجهة نظر عِرقية.
ومهما يكن، فإنه قد فضّل العرب من هذه الناحية واعتبر المولّدين (والذين هم في عمومهم محدثون) أقلَّ درجة من ناحية الطبع والمقدرة الشعرية. وإذا أخذنا العرب بمثابة التتابع والاستمرار بالنسبة للقدماء ووضعنا المولدين بمثابة المحدثين أنفسهم؛ فإنه يمكننا أن ندرك أنَّ لدى الجاحظ ميلٌ واضحٌ وجلي تجاه القدماء.
التفاوت في الطبع أو الغريزة وأثره على الشعر:
وكما تحدث الجاحظ عن الغريزة أو الطبع حديثًا عامًا، فهو أيضًا قد تناول الموضوع في شيء من التفصيل بالنسبة لمختلف الشعراء ومختلف الأغراض الشعرية. وعنده أنّ الشعراء يختلفون تبعًا للاختلاف في المقدرة الشعرية وقوة الطبع عند كلّ منهم. فبعض الشعراء لا يجيدون الهجاء؛ وبعضهم الآخر ليس لديهم المقدرة على شعر النسيب على الرغم من شهرتهم بالصحبة الطويلة للنساء، وعلى سبيل المثال فإن الفرزدق الذي كان"زير غوان"ليس له بيتٌ واحدٌ يستجاد في شعر النسيب، ونجد أن جريرًا قد كان أغزل الشعراء مع أنه كان عفيفًا ولم يُعرف عنه أنه عشق امرأة. وكان بعض شعراء الرجز لا يقدر على نظم القصيد وبعضهم يقدر على ذلك مثل عمر بن لجا، وأبي النجم، وحميد الأرقط، والعماني، ونجد أنَّ بعض الشعراء يجمع بين الشعر والخطابة، ومنهم من لا يقدر على هذا. وقد تتفاوت المقدرة الشعرية وكذلك قوة الطبع وتختلف باختلاف الأوقات عند الشاعر، باعتراف بعضهم؛ فالفرزدق والذي كان يرى نفسه أشعر الشعراء إلاّ أنه يعترف أنه قد تمرُّ عليه ساعةٌ يكون خلع ضِرس منه أهون عليه من نظم بيت من الشعر.
ويقول العجاج أنه قد تمكّن في ليلة واحدة من نظم أرجوزته الشهيرة:
بكيْتَ والمُخْتَزِنُ البكىُّ وإنما يأتي الصِّبا الصَّبيُّ
ويقول أن قوافيها انثالت عليه انثيالًا؛ لكنه حاول فيما بعد أيامًا عديدة أن ينظم أرجوزة أخرى وإن تكن أقل جودة فما أمكنه ذلك (34) .
أثر الجاحظ في غيره من النقاد: