هذه الظاهرة لاحظها أيضًا معاصر الجاحظ ونعني به ابن قتيبة وكأنه قد استعار ألفاظ الجاحظ، في حديثه عن اختلاف درجات الطبع والمقدرة الشعرية لدى الشاعر الواحد، ولعلَّ الفرق بينه وبين الجاحظ، أنَّ ابن قتيبة حاول تعليل تلك الظاهرة (35) . ويبدو أن الجاحظ قد كان مصدر إيحاء إلى كلِّ من ابن قتيبة وقدامة بن جعفر في آرائهما حول ائتلاف اللفظ والمعنى. وقد تبع قدامة الجاحظ في وصفه للشعر بأنه صناعة وضربٌ من التصوير (36) ، على الرغم من أنَّ كلاًّ منهما ربما يكون قد توصَّل إلى هذا واستنبطه - كلٌ على حدة - من ابن سلام الجمحي. ويتفق قدامة وغيره من النقاد المتأخرين أمثال ابن المعتز، والآمدي وابن رشيق القيرواني، مع الجاحظ في أن كل طبقة من الرجال لها ما يناسبها من ألوان شعر المدح (37) . وقد عاب الجاحظ على الكميت بن زيد أبياته الآتية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:
فاعتتب الشوقُ من فؤادي ... والشعر إلى مَنْ إليه أعتتبُ
إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهبُ
عنه إلى غيره ولو رفع النا ... سُ إليَّ العيون وارتقبوا
إليك يا خير مَنْ تضمنت الأر ... ضُ ولو عاب قولي العيب
لجَّ بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج واللجبُ
إنك المصطفى المهذب في النسبة ... إنَّ نصَّ قومك النسبُ ... وفي رأي الجاحظ أن الكميت قد سلك الطريق الخطأ إلى المدح في تلك الأبيات لأنه ليس هناك من يلومه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هناك أحدٌ يغضب إذا مُدح النبي صلى الله عليه وسلم (38) وذكر ابن رشيق أنَّ بعض النقاد أوجد عذرًا للكميت في أنه كان يقصد بمديحه هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه غير أنه كان يخشى الأمويين لهذا وجّه خطابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يغيّر شيئًا في الطريقة التي عبَّر بها عن ذلك (39) .
وكذلك عاب الجاحظ على الكميت تقصيره في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:
وبورك قبرٌ فيه وبُوركتْ به ... وله أهلٌ بذلك يَثربُ لقدْ غَيبوُا بّرًا وَحَزمًا ونائلًا ... عَشيَّة واراهُ الضريحُ المنصَّب ... ويرى ابن رشيق أن البيت الأول جيد، أما الثاني فليس كذلك وقد تعجَّبَ كيف يقول الكميت مثل هذا البيت في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم، في حين أنَّ عبدة بن الطبيب يقول هذه الأبيات البالغة الجودة في رثاء قيس بن عاصم:
عَليكَ سَلامُ الله قيسَ بن عاصم ... وَرحمتُهُ ما شاء أن يَتَرحَّما
تحية مَنْ ألبَستهُ منك نعمةٌ ... إذا زارَ عن شحْطٍ بلادكَ سَلّما
فما كان قيْسٌ هُلكةٌ هُلْكُ واحدٍ ... ولكنَه بنيانُ قومٍ تهَدَّما ويتعجب ابن رشيق أيضًا كيف لا يقول الكميت مثلما قالت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ترثي أباها في قولها:
اغبَرَّ آفاقُ السَّماءِ وكُوِّرتْ ... شَمسُ النَّهارِ وأظلمَ العَصرانِ
فالأرضُ من بعد النبيّ كئيبةٌ ... أسفًا عليه كثيرةٌ الرجفان
فليبكهِ شرقُ البلاد وغربها ... وَلْيبكه مُضَرٌ وكلُّ يماني