الشعر من بين المحدثين هم بشار العقيلي، والسيّد الحميري، وأبو العتاهية، وأبو عيينة، كما أضاف أن أجود الشعراء المحدثين في البديع هما بشار وابن هَرْمَة. ولعلَّ أهمَّ ما في كلام الجاحظ ما يراه من عدم التعارض بين أن يكون الشاعر مطبوعًا وأن يكون من أصحاب البديع، وقد تبيّن له أن بشارًا يُعد أجودهم في كلا الأمرين (23) . وحتَّى هؤلاء الشعراء الذين أسماهم الأصمعي"عبيد الشعر"مثل زهير والحطيئة؛ يبدو لنا أنهم قد نالوا إعجاب الجاحظ كما يتضح لنا من ملاحظاته حول تلك الفئة من الشعراء أصحاب الشعر الحولي المحكك (24) .
وقد علّل الجاحظ ذلك الصنيع من أولئك الشعراء من مراجعة للقصيدة وإعادة النظر فيها إلى أن أحدهم يريد أن يكون شاعرا فحلًا، خنذيذًا، ومفلقًا. وينقل الجاحظ من مختلفة النقاد أن طبقات الشعراء أربعة وهم الفحل الخنذيذ، والشاعر المفلق، والشاعر، والشعرور وذكر من أنواع الحولي المحكك كلا من الحوليات، والمقلدات، والمنقحات، والمحكمات. ويوجد في القصيدة نفسها أبياتٌ يطلق عليها الأمثال، والأوابد، وهناك أيضًا الشواهد والشوارد. وقد أوجد الجاحظ العذر لهؤلاء الأشخاص ممن لقبوا"عبيد الشعر"والذين اتبعوا طريقهم، وقال إنَّ الشاعر إذا تكسَّب بشعره وطلب الجوائز من السادة والأعيان، لم يكن له من بُدّ إلاّ اتّباع طريق الصنعة الذي سلكه ومهّد له زهير والحطيئة وأشباههما (25) .
القدماء والمحدثون:
وفيما يتعلق بالصراع حول القدماء والمحدثين فإننا نجد الجاحظ يسلك سبيلًا وسطا، فلم يقدّم الشعر القديم على حساب المحدث. ونجده ينتقد أولئك النقاد الذين يتعصبون للقديم متهمًا إياهم بالجهل. ويقول في ذلك أنه قد رأى بعض هؤلاء من الرواة والنحويين واللغويين يرفض شعر المولدين بل ويسقط مَنْ يروي هذا الشعر.
ومثل هؤلاء النقاد يراهم الجاحظ مثالًا على الراوي الذي يجهل كنه ما يرفض من الشعر، ولو كان له أدنى فراسة لتمكن من معرفة مواطن الجودة في الشعر بغض النظر عن شاعره أو زمانه (26) . ومع غلبة الجانب النظري في نقد الجاحظ إلاّ أنه كان يبحث في بعض الأحيان يُنَفِّذ آراءه النقدية عند حكمه على الشعراء القدماء والمحدثين. ومن الأمثلة الدالة على اتجاهه المعتدل في النقد، موازنته بين الشاعرين المهلهل وأبي نواس وفيها يفضِّل الأخير على الأول. فالمهلهل قد وصف هيبة مجلس أخيه كليب وسكوت الناس فيه بقوله:
أودى الخِيارُ من المعاشر كلهم ... واستبّ بعدك يا كليبُ المجلسُ
وتنازعوا في كُلِّ أمْر عظيمةٍ ... لوْ قد تكون شهدتهم لم ينبسوا.
ويعلّق الجاحظ على ذلك بقوله أنّ أبيات أبي نواس في الحديث عن خبز إسماعيل وبخله به فيها من الحديث عن هيبة مجلس كليب أجود مما قاله المهلهل في بيتيه السابقين. يقول أبو نواس:
على خُبْزِ إسماعيل واقية البخلِ ... فقد حَلَّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلاّ كآوى يرى ابنه ... ولم يرى آوى في خُزُون ولا سَهل