انتقد المولدين لمبالغتهم في الأوصاف، وأورد مثالًاَ على ذلك وصف أبي نواس لسرعة الكلب في قوله: (ما إِنْ يَقَعْنَ الأرضَ إلاّ فُرُطا) كما أورد قول أحد الموَلَّدين في المعنى نفسه وهو: (كأنَّما يَرْفع ما لا يَضعْ) (21) . ونجد أنَّ الجاحظ يتخذ الموقف المعتدل نفسه تجاه القدماء والمحدثين فيقف موقف الوسط بين الفريقين ويحكم بينهما استنادًا على معيار الجودة بغض النظر عن أزمانهم. ولعلنا نلتمس هنا أيضًا تأثير فكرة (المنزلة بين المنزلتين) على نقد الشعر عند الجاحظ. ولم يقف تأثير الفكر الاعتزالي عند هذا الحد بل ينتقل وراء ذلك إلى موضوع البديع. وقد حاولت المستشرقة سوزان باتريك ستتكيفيش في مقال لها بعنوان"نحو تعريف لشعر البديع"أن تربط بين البديع والفكر الاعتزالي. وقد أوردت قصيدة لصفوان الأنصاري أحد شعراء المعتزلة، وفيها يرد على بشار بن برد الذي صرح بتفضيل النار على الطين بقوله:
الأرضُ مُظْلمةٌ والنارُ مشرقةٌ ... والنارُ معبودةٌ مذ كانت النارُ
فقال صفوان:
زعمت بأنَّ النارَ أكْرمُ عُنصرًا ... وفي الأرض تحيا بالحجارة والزَّندِ
وقصيدة بشار التي هجا بها عبدالكريم بن أبي العوجاء بعدما صُلب، ومطلعها:
قل لعبد الكريم يا بن أبي العو ... جاءِ بعتَ الإسلام بالكفرِ مروقا
إنَّ هاتين القصيدتين تؤيدان الرأي القائل بأن حلقة المعتزلة بالبصرة هي أول من أنتج شعر البديع أو"ما قبل شعر البديع". وقد أشارت أيضًا إلى حديث ابن المعتز حول الفن الخامس من فنون البديع وهو ما يسمى بالمذهب الكلامي والذي نسبه ابن المعتز إلى الجاحظ. واستدلت بكلام الجاحظ نفسه عن البديع والشواهد التي أوردها من الأبيات التي تشتمل على هذا الفن. ومن وجهة نظر اعتزالية فإن البديع عند الجاحظ لا يعني فقط إبداعًا أسلوبيًا بارزًا يوجد في القرآن الكريم والحديث الشريف، وفي الشعر العربي القديم، ولكنه يعني أيضًا منهجًا للتأويل والتفسير وأسلوبًا للتفكير بمثابة فرض واجب على المسلم، يجب عليه إتباعه من أجل الفهم الصحيح لتلك النصوص الدينية. وعندما أورد الجاحظ تلك الأمثلة للبديع في كتابه البيان كان يعني بالبديع استعمال الكناية أو المجاز، أو بصورة أكثر وضوحًا، تشخيص المجرد، كما فهمه قياسًا على استعمال المعتزلة التأويلي أو التفسيري للتأويل (22)
البديع والصنعة الشعرية:
وفي كل ما قيل عن البديع، وعن علاقته بالفكر الاعتزالي مما مرّ ذكره فإنّ الذي يهمنا أكثر هو مفهوم البديع على أنه وسيلة ومنهجًا للتفكير، إذ أنه فيما يبدو أن مثل هذا المفهوم كان يقف وراء سيطرة فن البديع، كما يقف وراء ظاهرة الثنائية، وكلاهما عبّر عن نفسه بصورة متسعة في طريقة الحياة لدى المحدثين وفي أشعارهم، الأمر الذي نلمسه بكل وضوح في طبقات الشعراء لابن المعتز. ومهما يكن مفهوم البديع عند الجاحظ، فإنه قد أثنى على بشارة بن برد لقوة طبعه وجودة بديعه، موازنًا بينه وبين بعض الشعراء المحدثين. وهو يرى أنّ المطبوعين في