كما يرى الجاحظ. إضافة إلى ذلك فإنّ للمرء أن يطّلع على كتب الحكماء ليستفيد من معانيهم ويستخدمها، لكن ليس ألفاظهم لأنه ربما تعسَّف في استخدامها فيضعها في غير موضعها الصحيح. وينصح الجاحظ الشعراء الذين يودُّونَ أن يعبِّروا بصورة جيدة عما لديهم من معاني أن يستعينوا على ذلك بالقراءة والسماع بأقصى ما يمكنهم حتى تعلق الألفاظ بآذانهم وترسخ في صدورهم. وفي الصدور تتزاوج تلك الألفاظ مع بعضها بعضًا وتتلاقح فتنتج عنها ثمارٌ شريفة، تتميز بالأصالة والبعد عن التقليد والسرق. ويقرر الجاحظ في موضع آخر أن الكلام البليغ هو الذي تتبارى فيه الألفاظ والمعاني وتتسابق في الدخول على الأسماع والصدور فلا تصل الألفاظ إلى الأسماع قبل وصول المعاني إلى الصدور (17) . ويقدّم في موضع آخر نصيحة لمن يتطلّع أن يكون من حُذاق الشعراء أو الكتّاب. مقتبسًا كلام أحد الأدباء من الوعاظ والعبَّاد الذي نصح تلاميذه باستخدام الألفاظ الرشيقة والأصوات المتناسقة الموزونة؛ ذلك لأن المعنى إذا ورد في صورة جميلة متسقة كان أحلى وأعذب وقعًا في صدور السامعين. وإذا ألبستْ المعاني الألفاظ الشريفة والأوصاف الجليلة؛ فإنها تزداد حُسنًا في الأعين، وكلما كانت أكثر زينة وتنميقًا ووشيًا كان حظها من الإعجاب والاستحسان أكبر. فالألفاظ هنا بمثابة المعارض التي تعرض فيها الجواري الحسان (18) . من كل ما قيل، يبدو لنا أن الجاحظ ينظر إلى الألفاظ والمعاني من وجهة نظر تكاملية. ففي نظره أن كليهما على قدم المساواة في تكوين الصورة الشعرية الجميلة والمتكاملة. وأنه لابُدَّ من استخدام الألفاظ الصحيحة المناسبة لما يناسبها من المعاني. هذا يعني أن لكل معنى لفظًا يناسبه. وهو يرى أن المعنى الشريف يجب أن يعبر عنه باللفظ الشريف، والمعنى السخيف ليس له إلا ما يماثله من لفظ. وإذا كان المعنى المراد التعبير عنه جادًا فيجب استخدام الألفاظ الجادة وإذا كان المعنى هزلًا فيعبر عنه بألفاظ الهزل، وإلاّ فإن المعنى لن يكون واضحًا ولا تامًا. ويرى الجاحظ أنه طالما كان هناك طبقات مختلفة من الناس، فكذلك هناك طبقات مختلفة من الكلام. ويجب على الشاعر أو الخطيب ألا يستخدم أحدهما الغريب أو الوحشي إلاّ أن يكون هو نفسه بدويًا لأنّ الوحشي من الكلام لا يفهمه إلاّ الوحشي من الناس. كما أنه يجب ألا يكون اللفظ عامًا ساقطًا إلاّ أن يكون المعنى المراد كذلك (19) .
وقد أبان الجاحظ عن رأيه حول اللفظ والمعنى بكل وضوح وبطريقة مباشرة وصريحة وذلك حينما نصح الكتاب بتجنب السوقي والوحشي من الألفاظ وحذرهم من تضييع الوقت في البحث عن غريب المعاني، ودعا الجاحظ إلى الاعتدال والاقتصاد وسلوك الطريقة الوسطى لتجنب الوقوع في الصعاب. والكلام الجيد عنده هو ما جاء بين التقصير والإفراط (20) .
أثر الفكر الاعتزالي في النقد عند الجاحظ:
هذه الدعوى إلى سلوك الطريقة الوسطى تبدو وكأنها امتداد لفكرة المعتزلة (المنزلة بين المنزلتين) التي تنسب إلى زعيم المعتزلة ومؤسس مذهبهم واصل بن عطاء. وربما كانت هذه الفكرة أيضًا تقف وراء رفض الجاحظ للمبالغة. فقد