فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 18

وإعلانٌ صريحٌ بتفوقها على المعاني (10) وقد فعل أبو هلال العسكري الشيء نفسه باقتباسه ملاحظة الجاحظ من أن (المعاني مطروحة في الطريق) ؛ في معرض استدلاله على دعم آرائه حول حسن الألفاظ (11) وقد اعتقد بعض الدارسين المعاصرين أن الجاحظ يقدِّم اللفظ على المعنى ومن هؤلاء الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه النقد الأدبي الحديث (12) .وقد لاحظ إبراهيم خليل جريس أنَّ محمد غنيمي هلال قد وقع في التناقض في الكتاب نفسه فيما يتعلق ... بموقف الجاحظ من تلك القضية (13) .

ومن المعاصرين ممن كان يرى أنَّ الجاحظ يقدم اللفظ على المعنى الدكتور شوقي ضيف - رحمه الله - إذ يقول في معرض حديثه عن موقف الجاحظ من غرابة الألفاظ وحملته على مَنْ يتشبّهون بالبدو الجُفاة في استخدام الآبد الوحشي، وأَكْثرَ من الحديث عن حسن الصّوغ وكمال التركيب ودقة تأليف اللفظ وجمال نظمه. وأدّاه شغفه بجودة اللفظ وحسنه وبهائه إلى أنْ قدّمه على المعنى ... (14) .

واستشهد شوقي ضيف بقول الجاحظ: (والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي، والعربي، والبدوي، والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير الألفاظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضربٌ من التصوير(15 ) ) . غير أنَّ شوقي ضيف يعود فيرى أن تعريف الجاحظ للشعر على هذا النحو يدل على أنه كان يدخل التصوير وما يُطوى فيه من أخيلة في الصياغة واللفظ، وقد يكون في ذلك ما يخفف حدة الظن بأنّه قدّمَ الألفاظ من حيث هي على المعاني، إنما كان يريد الأسلوب بمعنى أوسع من رصف الألفاظ، إذ أدخل فيه الأخيلة والتصاوير، وكأنما أحسّ في عمق أنّ المعاني وحدها لا تكوّن الكلام البليغ، فهؤلاء المترجمون ينقلون معاني دقيقة لفلاسفة اليونان وغيرهم، ومع ذلك لا يمكن أن يتصف كلامهم ولا ما نقلوه بالبلاغة، فكلامهم يحمل معاني صحيحة ولكن ينقصها حائط البلاغة العتيد من حسن السبك وجمال الرصف والنظم. وأدّاه إحساسه العميق بروعة النظم وما يكسبه الكلام من الماء والرونق والحيوية والنضرة والروعة إلى أن يصيح في معاصريه إن إعجاز القرآن الكريم في نظمه (16 ) ) .

ما الذي كان يرمي إليه الجاحظ؟

والنظرة المتعمقة في آراء الجاحظ تبيّن لنا أنه كان يبحث عن ائتلاف اللفظ مع المعنى معتقدا بأنهما على قدم المساواة والأهمية من حيث إكمال الصورة الشعرية. وهو في كتابه (كتاب المعلمين) ينتقد في مجالي الكتابة والتدريس، الطريقة المتكلفة في استخدام الألفاظ وإقحامها عنوة لتناسب مَعْنىً بعينه. وعنده أن الألفاظ المتكلفة لا يمكن أن تأتي بالمعاني الواضحة المفهومة ومن ثم فإن مثل تلك الألفاظ ليس لها وظيفة تؤديها. وهو يرى أن أجود الكلام هو ما كانت الألفاظ فيه لا تتعدى المعاني المرادة، ومن ثم يسهل على السامع إدراكها وفهمها. والذين يقومون باختيار الألفاظ قبل أن يوجدوا المعاني إنما يفعلون ذلك من أجل اقتناص الألفاظ؛ تلك الألفاظ التي ربما لا تصلح لتلك المعاني، وهذه الطريقة غير صحيحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت