فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 18

جريان الدهان على اللسان. وخير مثال على ذلك ما أورده الجاحظ من قول الأجرد الثقفي:

مَنْ كانَ ذا عَضدٍ يدرك ظلامتَه ... إنّ الذليلَ الذي ليس له عَضُدُ

تنبو يداه إذا ما قلَّ ناصره ... ويأنف الضيمَ إنْ أثرَى له عَددُ

وكذلك من شعر أبي حية النمري في قوله:

رَمتني وستر الله بيني وبينها ... عَشية أرامِ الكناس رَميمُ

ألا رُبَّ يومِ لو رمتني رَميتها ... ولكنَّ عهدي بالنضال قديمُ

لقد كان الجاحظ متأثرًا بفكرته حول القِران حينما نادى بالائتلاف والانسجام بين ألفاظ البيت الواحد وبين حروف ألفاظه أو ما أسماه هو بتلاحم الكلام. وقد استدل الجاحظ على فكرته تلك بما قاله رؤبة بن العجاج واصفًا رجز ابنه عقبة بأنه"ليس له قِران"، كما استدل الجاحظ بما انشده ابن الإعرابي من قول الشاعر:

وباتَ يُدرِّسُ شعرًا لا قِران له ... قد كان نقحه حَولًا فما زادا وهذه الأمثلة تتصل بفكرة القِران بين ألفاظ البيت الواحد وبين أبيات القصيدة مع بعضها بعضًا. وفيما يتعلق باقتران الحروف فإن الجاحظ يرى أن حرف الجيم لا ينسجم مع حرف الظاء، والقاف، والطاء أو الغين، كما أن الزاي لا ينسجم مع الظاء، والسين، والضاد أو الذال (7) . إنَّ فكرة القِران أو تلاحم الكلام والتي ربما كانت معروفة لدى الجاهليين، التقطها النقاد فيما بعد من أمثال المبرد في كامله حيث أورد الأبيات نفسها السابقة لأبي حية النمري مما استشهد به الجاحظ. وقد أشار أبو هلال العسكري إلى أن السمؤال قد انتُقد في قوله: فَنَحنُ كماءِ المُزْنِ، ما في نصابنا كَهَامٌ ولا فينا يُعَدُّ بخيلُ فليس هناك من علاقة بين قوله: ماء المزن، نصاب وكهام ولو أنَّ الشاعر كان قد قال: نحنُ ألو الحربِ والنجدةِ، ما في نصابنا كهامٍ أو: نحنُ كماءِ المُزن صفاءِ أخلاق وبَذل أكفٍّ لكان الكلام جيدًا ومتناسقًا (8)

ويبدو أن فكرة القِران والتي تشير إلى نوع من الوحدة في القصيدة، ترتبط بما قاله الجاحظ عن شعر الحكمة؛ فهو يقول لو أن صالحًا بن عبد القدوس وسابق البربري قد فرَّقا شعرهما على شعر غيرهما من الشعراء لنالت أشعارهما درجة من الجودة والشهرة أكثر مما هي عليه الآن. فإن القصيدة إذا كانت كلها في الأمثال فإنها لن تشتهر ولن تنال الإعجاب، والأسماع تملُّ من سماع الشيء إذا كان يجري على طريقة واحدة دون تغيير (9) .

موقف العلماء من قضية اللفظ والمعنى عند الجاحظ:

ولعلَّ الجاحظ قد أُسِيءَ فهمه لدى العلماء فيما يتعلّق بفكرته حول اللفظ والمعنى، فعبد القاهر الجرجاني صاحب نظرية النظم استدل على صحة نظريته بأنَّ الجاحظ لم يكن يهتم كثيرًا بالمعاني إذ أنه وصفها بأنها مطروحة في الطريق حينما انتقد أبا عمرو الشيباني على إعجابه بيتين من الشعر لما فيهما من معنى.

والواقع أن ما زعمه الجاحظ من أن البيتين لا يستحقان أن يوصفا بأنهما شعرٌ، وأن أبناء الشاعر الذي نظمهما لا يمكن أن يكونوا شعراء مجيدين لأنهم ينتمون إلى ذلك الشاعر، إن هذا الزعم قد تلقفه عبد القاهر على أنه دليلُ شرفٍ للألفاظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت