ثم ذكر الجاحظ أنه وجد أنَّ إدراك وفهم هذا الجوهر من الكلام أمرٌ شائع بين الكتّاب الذين تدربوا على رواية الشعر؛ وظاهر عند حُذاق الشعراء (4) .
قضية اللفظ والمعنى وفكرة القِران:
وفي المقابل نجد الجاحظ يوجّه نقدًا لاذعًا إلى أحد رواة الشعر وهو أبو عمرو الشيباني لفرط إعجابه بالبيتين الاتيين:
لا تَحْسَبَنَّ الموتَ مَوْتَ البلى ... وإنما الموتُ سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذا ... أقطعُ من ذاك لِذُلِّ السؤال
وقد يبدو أن الشيباني أُعجب بما في البيتين من حكمة ولم يكن معنيًا بغير ذلك من الخصائص الشعرية. وبالنسبة للجاحظ الذي كان يرى أن الشعر صناعة من الصناعات؛ فقد انتقد الشيباني لإعجابه بالمعنى فقط دون غيره، إذ أنَّ المعاني - كما يرى الجاحظ - مطروحة في الطريق يعرفها العجمي، والعربي، والبدوي، والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، واختيار اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وصحة الطبع وجودة المعنى، لأن الشعر صناعة وضرب من النسج والتصوير (5) وعلى الرغم من أن الجاحظ قد انتقد على الشيباني إعجابه بالبيتين إلا أننا نجد الجاحظ نفسه قد أورد البيتين ضمن أبيات أخرى من شعر الحكمة مما يدل على استجادته لهما (6) .
يرى الجاحظ أنه لكي يدرك الشاعر أعلى درجات الجودة في الصناعة الشعرية التي شبهها بالنسج والتصوير؛ فإن عليه أن يتجنب التنافر في ألفاظ شعره وأن يكون لشعره ما يُسمّى بالقِران. ويدعو الجاحظ أيضًا إلى وضع الألفاظ التي تناسب المعاني المختلفة، كلٌّ مع ما يناسبه ويوافقه. وقد استدل على رأيه في تنافر الألفاظ بما قاله الأصمعي من أن بعض الألفاظ ينافر بعضها بعضًا وأنها إذا استخدمت معًا في بيت من الشعر فإنه مما يصعب إنشاده وذلك مثل البيت:
وَقبر حَربٍ بمكان قفرٍ ... وليس قرب قبرِ حربٍ قَبُر
ويقول الجاحظ عن هذا البيت أنه لا يمكن لأحدٍ أن ينشده ثلاث مرات متتالية إلا بصعوبة وعسر ثم أورد مثالًا آخر على تنافر الألفاظ وهو قول محمد بن يسير:
لم يَضرْها، والحمد لله شيءٌ ... وانثنتْ نحو عزف نفسٍ ذهول.
وعلق الجاحظ على عجز البيت بأن بعض ألفاظه يتبرأ من بعض، وهو يرى أنَّ مثل هذا الشعر هو مايشير إليه البيت الذي أنشده خلف الأحمر وهو:
وبعض قريض القوم أولاد علّةٍ يكدُّ لسان الناطق المتحفظِ.
وهو أيضا يمثل نوع الشعر الذي أشار إليه أبو البيضاء الرياحي في قوله:
وشِعر كبعْر الكبش فرَّق بينه ... لسانُ دعيِّ في القريض دخيل. والبيتان - كما هو واضح - يشيران إلى ما عناه الجاحظ من تنافر الألفاظ. وفي المقابل يرى أن الشعر الذي يخلو من ذلك التنافر نجد ألفاظه موافقة لبعضها تمامًا، وأنها سهلة النطق مجموعة، كما أنّ حروفها منسجمة مع بعضها وفي ائتلاف تام من غير تنافر. فالبيت في مثل هذا الشعر يبدو وكأنه كلمة واحدة، والكلمة الواحدة كأنها حرف واحد، ثمَّ أن أجزاء هذا الشعر تكون شديدة الترابط يسهل الانتقال بينها، كأنها قطعة من النسيج الواحد وهي سهلة الإنشاد كسهولة