فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونهما ، وهما من باب فهم مراد الشارع ، فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقَّف على أن يُعرف ثبوت اللفظ عنه ، وعلى أن يُعرف مراده باللفظ [1] .
وقال ابن القيم مبينًا دخول نفي الفارق في القياس الصحيح: فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي عُلِّق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها ، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط ، وكذلك القياس بإلغاء الفارق ، وهو أن لا يكون بين الصورتين فرقٌ مؤثِّر في الشرع ، فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه [2] .
4 -أن القياس بنفي الفارق أحد طرق إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق، فلهذا لا غنى للمجتهد عنه ، قال الغزالي: اعلم أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق فيه طريقان:
أحدهما: أن لا يُتعرَّض للجامع بينهما ، بل يُتعرَّض للفارق فقط .
الثاني: أن يتعرَّض للجامع وينقَّح مناط الحكم [3] .
ولهذا لمَّا ساق الصنعاني قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقضي القاضي وهو غضبان" [4] قال:"فمن قصر النهي على الغضب وحده دون الهمِّ المُزعج، والحُزنْ المُقلق ، والجوع والظمأ الشديد ، وشُغْل القلب المانع من الفهم، فقد قلَّ فهمه وفقهه ."
(1) انظر: مجموع الفتاوى 19/285-286 .
(2) إعلام الموقعين 2/3-4 .
(3) انظر: أساس القياس ، ص 65 .
(4) أخرجه البخاري بلفظ"لا يقضين حكمٌ بين اثنين وهو غضبان"عن أبي بكرة رضي الله عنه . كتاب الأحكام ، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان ، رقم: [ 7158 ] . ومسلم ـ كتاب الأقضية ـ باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان ، رقم: [ 1717] .