فليس عدم التصريح بالعلة مسوغًا لإخراج نفي الفارق عن مُسمَّى القياس ، والله أعلم .
ويمكن الاستدلال على حجية نفي الفارق بما يلي:
1 -أن القياس المعتبر شرعًا الذي يحتج به أهل العلم يشمل نفي الفارق، لأنه عبارة عن إلحاق فرع بأصلٍ في حكمه لعدم الفارق بينهما ، ولهذا قال الشافعي في رسالته:"والقياس من وجهين: أحدهما: أن يكون الشيء في معنى الأصل ، فلا يختلف القياس فيه" [1] .
وهذا ينطبق تمامًا على القياس بنفي الفارق كما سنبين قريبًا أن الجمع بين الفرع والأصل بنفي الفارق يطلق عليه"القياس في معنى الأصل".
وفي موضعٍ آخر قال:"فإن قال قائل: فاذكر من الأخبار التي تقيس عليها وكيف تقيس ؟"
قيل له إن شاء الله: كل حُكمٍ لله أو لرسوله وُجدَت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حُكِم به لمعنىً من المعاني فنزلت نازلة فيه نصُّ حكمٍ ، حُكِمَ فيها حكم النازلة المحكومة فيها إذا كانت في معناها" [2] ."
وهذا أيضًا يدخل فيه القياس بنفي الفارق ، لأنه لا يتم الإلحاق به إلا إذا كان الفرع في معنى الأصل ولا فارق مؤثِّر بينهما .
2 -أن القياس بنفي الفارق اعتبره كثيرٌ من الأصوليين أحد أقسام القياس كما سيأتي ، فلو لم يكن حجة لما اعتبروه كذلك .
3 -أن المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اعتبرا نفي الفارق من القياس الصحيح ، والصحيح هو الذي يحتجُّ به بخلاف الفاسد .
فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والقياس الصحيح نوعان:
أحدهما: أن يُعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير مؤثر في الشرع ، ثم قال: والنوع الثاني من القياس: أن ينصَّ على حكم لمعنى من المعاني ويكون ذلك المعنى موجودًا في غيره .
(1) الرسالة ، ص 479 .
(2) المصدر نفسه ، ص 512 .