قبل أن نعرض لحجيَّة نفي الفارق ، يحسن التنبيه إلى أن العلماء لم يتفقوا على تسميته قياسًا ، بل اختلفوا في ذلك ، فمنهم من يسمِّيه قياسًا كالغزالي والآمدي وابن السبكي والشوكاني ، ومنهم من يسمِّيه استدلالًا كابن الحاجب والأصفهاني.
والسبب في ذلك: أن بعض العلماء لا يرى دخول نفي الفارق في القياس لمنافاته حقيقته ، إذ إن حقيقة القياس اعتبار شيءٍ بغيره ، أو التسوية بين أمرين ، وهذان المعنيان غير موجودين في نفي الفارق ، ويوجدان في القياس الذي يُبنى على العلة ، ولذا يُسمَّى قياسًا بالاتفاق [1] .
وعند التحقيق يتبين لنا أن جمهور الأصوليين يُدخلون نفي الفارق في القياس. ويعدُّونه قسْمًا من أقسامه كما سيأتي في المبحث الآتي ، فليس القياس عندهم مقتصرًا على قياس العلة كما قال مخالفوهم ، بل تدخل فيه أقسام أخرى .
وإن نفي الفارق وإن كان الجامع فيه بين الفرع والأصل مجرد نفي الفارق ، إلا أنه لا يخلو من وجود معنىً يشتركان فيه كما يتضح من خلال الأمثلة.
ولهذا قال الغزالي:"اعلم أن حذف تأثير الفارق وإن جوَّزنا الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العلة وتعيينها ، ولكن الحق فيه أن ذلك لا يُتجاسر عليه إلا بعد استنشاق رائحة المعنى الذي هو مناط الحكم وإن لم يُطَّلع بعدُ على تحديده أو تعيينه" [2] .
وقال أيضًا:"... وهذا يدلُّك على أن هذا الطريق وإن كان راجعًا إلى التعرُّض للفارق فليس يخلو عن توسُّم المعنى الجامع على إجمالٍ من غير تفصيل" [3] .
وإن الفرق بين القياس بنفي الفارق وقياس العلة الذي قصر بعض العلماء القياس عليه: أن نفي الفارق لم يصرَّح فيه بالعلة ، وقياس العلة مصرَّحٌ بها فيه [4] .
(1) انظر: البحر المحيط 5/50 ؛ شرح مختصر الروضة 3/353 .
(2) أساس القياس ، ص 68-69 .
(3) المصدر نفسه ، ص 69 .
(4) الإحكام في أصول الأحكام 4/4 .