3-إن الإسرار بالدعوة أمر مرحلي واستثنائي لظروف وملابسات خاصة هي ظروف بداية الدعوة.
وعلى هذا فإن الإسرار بالدعوة كلها بعد النبي صلى الله عليه وسلم مخالف للأصل الثابت المستقر، فلا يجوز اللجوء إليه إلا عند الضرورة، أما الإسرار بما سوى ذلك من الوسائل والخطط والتفصيلات فهو أمر مصلحي خاضع للنظر والاجتهاد إذ لا يترتب عليه كتمان للدين، ولا سكوت عن حق، ولا يتعلق به بيان وإبلاغ.
ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد أن صدع بالدعوة وأنذر الناس وأعلن النبوة ظلّ يخفي أشياء كثيرة لاتؤثر على مهمة البلاغ والبيان، كعدد أتباعه، وأين يجتمع بهم؟ وما هي الخطط التي يتخذونها إزاء الكيد الجاهلي، ومن أمثلة ذلك قصة الهجرة، وقصة أبي ذر وعمرو بن عبسة.
السابقون إلى الإسلام
إن من النتائج الطبيعية لحداثة الدعوة وسرّيتها أن يكون أتباعها أفرادًا معدودين.
ولا ريب أن أول من تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وعلي بن أبي طالب الذي كان تحت رعاية النبي صلى الله عليه وسلم وكفالته وكان صغيرًا لا يتجاوز العاشرة من عمره، وأبو بكر صديق النبي صلى الله عليه وسلم وجليسه وكان رأسًا مقدمًا ومكرمًا لدى قريش إليه المرجع في أنسابها، وكان تاجرًا صاحب مال محببًا متألفًا.
قال ابن إسحاق في وصف أبي بكر: (( وكان رجلًا مؤلفًا لقومه محببًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلًا تاجرًا ذا خلق حسن ومعروف، وكان رجال قومه يأوون إليه ويألفونه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.. ) ).