وذلك لما لها من آثار مدمرة في صحة أبناء هذا الجيل ومن يلونهم من أبناء الأجيال المقبلة، الذين تناط بهم الآمال لعمارة الدنيا وحراسة الدين.
و. قد نشط علماء الدين والطب- وغيرهم- لمواجهة هذه الظاهرة المدمرة ومقاومة انتشارها، وذلك ببيان أضرار التدخين وأخطاره، وبتوضيح الحكم الشرعي للتدخين.
والحكم الشرعي لشىء ما، هو وصف الشرع له بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم، وهي الأحكام الشرعية الخمسة، وهى من عند الله تعالى، كما قال سبحانه: (ان الحكم إلا لله(يوسف 67) . وقد عرف الفقهاء والأصوليون الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير (1) "."
ومعنى أن الحكم الشرعي من عند الله تعالى: أن يكون مستندا إلى أصل شرعي معترف به قي شريعة الله تعالى، أو بعبارة أخرى: يكون مستنبطا من دليل معتبر شرعا وليس من دليل عقلي محض.
والأدلة الشرعية المعتبرة التى تقوم عليها الأحكام الشرعية هي: كتاب الله تعالى وسنة النبي صلي الله عليه وسلم والإجماع، والقياس، والفقيه حين يعرض عليه أمر ليفتي فيه، يبحث عن الحكم في كتاب الله تعالى أولًا، فإن لم يجده في كتاب الله تعالى، التمسه في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، فإن لم يجده التمسه قي إجماع الفقهاء المجتهدين، فإن لم يجد فيه إجماعا اجتهد رأيه وأعمل القياس بضوابطه وشروطه.
والتدخين لم يرد فيه- باسمه المعروف- نص في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلي الله عليه وسلم، ولم يؤثر فيه إجماع من فقهاء الصحابة أو التابعين أو غيرهم من الفقهاء، ولم ينقل فيه شىء عن الأئمة المجتهدين أصحاب المذاهب الفقهية: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، لأن التدخين لم يعرف في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولا في عهود الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وكان ظهوره في القرن السادس عشر الميلادي حين أدخل المكتشفون الأسبان لأمريكا عادة التدخين إلى بلادهم ومنها إلى فرنسا، ثم بقية بلدان العالم.
ومنذ عرف المسلمون التدخين في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر (2) - اجتهد الفقهاء في الحكم الشرعي له، ولكنهم اختلفوا، فذهب معظمهم إلى أنه حرام، وذهب آخرون إلي أنه مكروه، وقال غيرهم إنه مباح، وتوقف في الحكم آخرون.
وسنعرض- بإيجاز- أقوال بعض هؤلاء الفقهاء.
أولًا: الفقهاء الذين قالوا إن التدخين حرام
ا- الفقيه الحنفي الشيخ الشرنبلالي: قرر ذلك صراحة، ونظم خلاصة فتواه في قوله:
ويمنع من بيع الدخان وشربه وشاربه في الصوم لاشك يفطر.
2 -الفقيه الحنفى الشيخ إسماعيل النابلسي: نقل أن للزوج منع الزوجة من اكل الثوم والبصل وكل ما ينتن الفم، ثم قال: ومقتضاه المنع من شربها التتن- الدخان- لأنه ينتن الفم، خصوصا إذا كان الزوج لايشربه، أعاذنا الله تعالى منه.
3 -الفقيه الحنفي الشيخ المسيري: قال تلميذه الشيخ إسماعيل النابلسي: وقد أفتى بالمنع من شربه- الدخان- شيخ مشايخنا المسيري وغيره.
4 -الفقيه الحنفي الشيخ العمادى: جاء في حاشية ابن عابدين:"أقول: ظاهر كلام العمادي أنه مكروه تحريما"