ومن الطبيعي أن توصف بعض الأمور بادي الرأي على الوجه الذي يراها صاحبها ، وليس على المعنى من غضاضة إذا اكن اللفظ الذي يعبر عنه نابيا عنه مناوئا له ، فالمعنى ثابت في نفسه لا يتغير ، والحقائق بنفسها لا بألفاظها واصطلاحاتها .
والواقع أنه لم يكن هناك إلهام بالمعنى المعروف الذي أشار إليه بعض المحدثين ، أي بمعنى التوفيق الاتفاقي إلى الهدف دونما بحث أو اتخاذ سبب ، وإنما صدرت تلك اللفظة وأشباهها على وفق ظروف اقتضت منهم أن يبرروا أحكامهم في بعض الأحوال فضاقت العبارة ولم يسعفهم الدليل فأحالوا على الإلهام .
وهذا الذي كان يعتريهم من ضيق العبارة عن بيان أدلة أحكامهم النقدية منشؤه سعة الاطلاع وكثرة الممارسة وبلوغ المنتهى في الدقة بحيث صارت النتائج تعتمد على مقدمات أولية مستقرة ومحفوظة لديهم لا يستطيع أن يسلم الجاهل بها أو غير الممارس لها .
وهذه البداهة في الاستنتاج نظر لها ديكارت وأطلق عليها مصطلح"الحدس"، وبنى عليها مقاله في المنهج (1)
(1) الحدس عند ديكارت هو الاطلاع العقلي المباشر على الحقائق البدهية ، قال ديكارت:"أنا لا اقصد بالحدس شهادة الحواس المتغيرة ولا الحكم الخداع لخيال فاسد المباني ، إنما أقصد به التصور الذي يقوم في ذهن خالص منتبه بدرجة من السهولة والتميز لا يبقى معها مجال للريب ، أي التصور الذهني الذي يصدر عن نور العقل وحده". ( القواعد لهداية العقل ، القاعدة 3) . ومعنى ذلك أن الحدس عنده عمل عقلي يدرك به الذهن حقيقة من الحقائق يفهمها بتمامها في زمان واحد لا على التعاقب . ويطلق الحدس عند"هنري بوانكاره"على الحكم السريع المؤكد أو التنبؤ الغريزي بالوقائع والعلاقات المجردة ، ويقول:"إن هذا الحدس أو هذا الشعور بالنظام الرياضي يكشف لنا عن العلاقات الخفية". ( المعجم الفلسفي . جميل صليبا 1/453 . دار الكتاب اللبناني ط1971) .
ويقول الأستاذ توفيق الطويل في كتابه"أسس الفلسفة":"ويريد ديكارت بالحدس انتقال الذهن انتقالا سريعا ومباشرا من معلوم يقيني إلى مجهول ، ويقول: إنه نور فطري يمكّن الإنسان من إدراك الأفكار البسيطة والحقائق الثابتة والروابط بين قضية وأخرى إدراكا مباشرا - بغير وسيط من عقل أو تجريب - في زمان واحد وليس على التعاقب .. وبعد الحدس تجيء مرحلة الاستنباط العقلي ، وهو حركة ذهنية نستنتج بها شيئا مجهولا من شيء معلوم ، ويراد به البرهنة على قضية عن طريق مبادئ عامة تصدق عليها ، وبه نستخلص من شيء نعرفه معرفة يقينية نتائج تلزم عنه ، ويمتاز الاستنباط الديكارتي عن القياس الأرسطاطاليسي بأن الأول يقوم على قضايا يقينية ، بينما يمكن أن يقوم الثاني على قضايا ظنية أو احتمالية إلى جانب أن نتائج القياس متضمنة في مقدماته ، أما نتائج الاستنباط فمعرفة جديدة تكتسب بالتأمل العقلي . ( أسس الفلسفة ، توفيق الطويل ص147-148ط القاهرة ) ."