.بل إن رواد المنهج الأوروبي في النقد التاريخي أمثال لانجلوا وسينوبوس اعترفوا بأن أحكام العلماء المحصلين (1) لتصحيحات التحريفات والأغلاط في المصادر تكتنفها نظرية عامة للتصحيح التخميني"ولا يوجد تعليم عام لهذا الفن ، وقد وجدت بعض الكشافات الأبجدية لاختلافات النقل وأنواع الخلط الشائعة الحدوث والتصحيحات المحتملة غير أنها لا تعوض عن التمرينات العملية التي تتم تحت إشراف أهل الاختصاص ، والعلماء المحصلون الذين ينكبون على الممارسة الشائعة للنقد التخميني يتعرضون في حماستهم لاتهام قراءات صحيحة واقتراح فروض جزافية بالنسبة إلى المواضع الميئوس منها، وهم لا يجهلون ذلك ، ولهذا فهم يجعلون ناموسهم ان يميزوا بوضوح جدا في نشراتهم بين قراءات المخطوطة أو المخطوطات وبين النص الذي أصلحوه وقدموه" (2) .
وهذا تصريح بأن الأحكام النقدية لدى العلماء المحصلين تعتمد على الخبرة الواسعة ، وأن بعضها قد يلجأ إلى التخمين ، وهو الذي لايعتمد على سبب مباشر أو دليل مؤثر .
ولا بد لأي متبحر في علم من العلوم أن يشعر أن ثمة أحكاما في ذلك العلم لا يفهمها ويدرك أغوارها إلا من فهم العلم كله وأحاط بنواصيه وبلغ غايته ومنتهاه .
(1) يطلق اصطلاح"العلماء المحصلين"على المتخصصين في عملية النقد الخارجي أو نقد التحصيل ، وهي أولى عمليات النقد التارخي عند لانجلوا وسينوبوس وأهمها ، وتنصب حول تصحيح المصدر الذي سيعتمد عليه في التأريخ من جهة الاستيقان من مؤلفه وتصحيح ما يتضمنه المصدر من معلومات بمعنى التوصل إلى أصح القراءات الممكنة للمصدر ، وهذه العملية تسبق علمية النقد الباطني - نقد المتن - التي تتطلب مجموعة من العمليات النقدية الأخرى .
(2) مدخل إلى الدراسات التاريخية . لانجلوا وسينوبوس . ترجمة عبد الرحمن بدوي ص57فما بعدها .