الصفحة 11 من 85

بل إننا نجد هذا الاتجاه نفسه عند أصحاب المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية التي تجنح إلى تحصيل اليقين عن طريق الملاحظة والتجربة .

فأصحاب المنهج التجريبي قبل أن يصلوا إلى الجزم بنظرية يفترضون فروضا يتم ملاحظتها وتجريبها ، وحصر تلك الفروض والاحتمالات في عدد وصور معينة مبني في الغالب على حدس عقلي وبدهيات علمية وأوليات تجريبية قد يصعب إقامة الدليل على سبب ترجيح تلك الفروض دون غيرها (1) .

ومنهج المحدثين من هذا القبيل ، فقصور عبارتهم عن بيان الحجة في التعليل مرده إلى سعة الاطلاع والتبحر وطول الممارسة وعمق النظر ، والدليل موجود وواقع ولكنه قد يخفى لدقة الخطأ وشفافية المنهج .

(1) يقول الأستاذ توفيق الطويل في شرح خطوات المنهج التجريبي عند مرحلة وضع الفروض:"قوام الفرض الخيال ، فالباحث يتكهن عن طريق الخيال بالعلاقة العلية التي تقوم بين الظواهر ، وفي هذا يبدو جانب الابتكار في منهج الاستقراء ، وحظوظ الناس من هذا الخيال تتفاوت بتفاوت نصيبهم من الذكاء وسرعة البداهة وصفاء الذهن وسعة الاطلاع ، القدرة على استغلال المعلومات السابقة ونحو هذا مما يعين على تخيل التفسير الصحيح . وقد يواصل العالم بحثه عن فرض يفسر به ظاهرة يقوم بدراستها وعلى غير جدوى يكون بحثه ، ثم يأتيه الفرض كإلهام مفاجئ هو من غير شك نتيجة تفكيره المستمر وبحثه المتواصل". انظر: أسس الفلسفة . توفيق الطويل ص162 ويقول عبد الرحمن بدوي:"فالمنهج التجريبي لا يمنح أفكارا جديدة وخصبة لأولئك الذين هم فقراء منها ، وإنما يفيد فقط في توجيه الأفكار عند أولئك الذين لديهم أفكار". انظر: مدخل جديد إلى الفلسفة . عبد الرحمن بدوي ص98 . ط وكالة المطبوعات الكويت ، 1975

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت