الصفحة 8 من 85

وهذه الموازنة بين مرويات الرواة لمعرفة مصدر الخطأ من أدق ما توصل إليه المحدثون من مسالك في سبيل معرفة علل الأحاديث ، بل هي لباب منهج النقد عندهم وعماده .وسنتعرض لذلك بالتفصيل عند الكلام على مرتكزات المنهج . ولكننا نحب أن نتعرض هنا إلى قضية لها صلة بمنهج المحدثين في النقد ألا وهو أنه قد ترد في بعض عبارات المحدثين ما يفيد أن معرفة العلل من الإلهام .

فمن ذلك ما روي ابن نمير عن ابن مهدي قال:"معرفة العلة إلهام ، فلو قلت للعالم يعلل الحديث: من أين قلت هذا ؟ لم تكن له حجة" (1) .

وبناء على مثل هذا فهم كثير من الناس أن أحكام المحدثين على الرواة والمرويات لم تكن وليدة منهج علمي أو بحث ودراسة ، وأن الأمر لا يعدو أن يكون إلهاما القاه الله في قلوبهم فحكموا في ضوئه (2) .

وتذهب طائفة أخرى من الباحثين إلى أن المحدثين حكموا فعلا على الرواة والمرويات لكنهم لم يتقيدوا بمنهج لذلك اضطربت أقوالهم واختلفت آراؤهم وتباينت وجهات أنظارهم والأسلوب الذي اتبعوه في إصدار أحكامهم كان غير كاف لتحقيق الهدف المنشود (3) .

وكل ذلك منشؤه عدم فهم نظريات المحدثين في النقد وعدم إدراك منهجهم ي سبر المرويات والرواة ، والإنسان عدو ما يجهل .

وعندما نشرح مرتكزات منهج النقد عند المحدثين سيتبين لنا وهاء هذه المزاعم ، لكننا نحتاج إلى تفسير معنى الإلهام الذي ورد في كلام المحدثين .

معلوم أن اصطلاحات الفنون لم تستقر في تلك الأيام ، ولم يتواطأ أحد في أرباب كل علم على ألفاظ معينة لتستخدم على وجه متفق عليه في الفن الواحد ، فضلا عن أن يكون متفقا عليها في جميع الفنون ، ولكن الشيء قد يعرف في علم باسم ويكون هو نفسه في علم آخر بمصطلح آخر .

(1) معرفة علوم الحديث للحاكم ص112-113.

(2) منهج النقد عند المحدثين . الأعظمي ص19

(3) السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت