لكن يبدو أن المتقدمين من المحدثين عرفوا هذا الفارق وطبقوه أيضا بصورة عملية ، قال ابن رجب الحنبلي:"وأما التواريخ والعلل والسماء ونحو ذلك فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه ( يعني الترمذي في سننه ) استخرجه من كتاب تاريخ البخاري ، وهو كتاب جليل لم يسبق إلى مثله رحمه ورضي الله عنه ، وهو جامع لذلك كله ، ثم لما وقف عليه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله صنفا على منواله كتابين: أحدهما كتاب الجرح والتعديل وفيه ذكر الأسماء فقط ، وزادا على ما ذكره البخاري أشياء من الجرح والتعديل وفي كتابهما من ذلك شيء كثير لم يذكره البخاري ، والثاني: كتاب العلل ، أفردا فيه الكلام في العلل" (1) .
فهذان التصنيفان دليل على وضوح الفرق في ذهن أبي زرعة وأبي حاتم على الدرجة التي تجعلهما يفردان كل نوع بالتأليف .
نشأة نظرية العلة
من العسير أن نؤرخ لبداية ظهور نظرية العلة وتطبيقها على وجه الدقة ، فلقد زاحمت نظرية العلة نظرية الجرح والتعديل في النشوء والارتقاء ، وتجاور صعودهما في سماء ومنهج النقد عند المحدثين حتى لكأنه يصعب التمييز بينهما .
ومن المجزوم به أن اصطلاح العلة كان له بداية ، لكن لم يتحرر لي حتى الآن أول من استخدمه، وإن كان مشهورا في وسط المحدثين منذ عهد يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وقد ذكر السخاوي أن لسفيان بن عيينة كتابا في العلل من رواية ابن المديني (2) ، وسفيان بن عيينة توفي سنة 198هـ وأستبعد أن يكون له كتاب في العلل ، والظاهر أنه كتاب ي علل حديث ابن عيينة لابن المديني كما ذكره الحاكم (3) والخطيب البغدادي (4) .
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ص59.
(2) فتح المغيب شرح ألفية الحديث .السخاوي (2/334) .
(3) معرفة علوم الحديث . الحاكم النيسابوري ص71
(4) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع . الخطيب البغدادي (2/260) .