ومن المناسب أن نبين اصطلاحا مهما درج عليه المحدثون ، حيث إنهم قد يعللون بعلل غير قادحة عندهم ، فيظن البعض أن كل ما أعله المحدثون فهو ضعيف ، وليس ذلك بصحيح ، ويجب الرجوع إليهم في معرفة القادح وغير القادح .
وفي المقابل تعارف الفقهاء والأصوليون على عدم اعتبار كثير من تعليل المحدثين ، حيث يجعلون المخالفة بالزيادة مقبولة مطلقا في السند أو في المتن ، وهذا جريا على طريقتهم في عدم التشدد في قبول الآثار ، خاصة إذا لم يوجد في الباب إلا حديثا معللا ، فإن غالب الفقهاء يعلمون به ويقدمونه على الرأي (1) .
ولكن ذلك ليس بحميد ، لأنه يلزم منه قبول الحديث الضعيف في الأحكام مع ظنه صحيحا ، ومن هنا صدق بعض الفقهاء ممن شارك في علم الحديث واطلع على إتقان المحدثين بضرورة التسليم بأحكام النقاد من أهل الحديث .
قال الحافظ العلائي بعد بيان علل الأحاديث:"وبهذه النكتة يتبين أن التعليل أمر خفي لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها" (2) .
وقال ابن حجر أيضا:"وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه" (3) .
وبهذا البيان نعلم أن العلة غيرا لقادحة يجب أن يرجع فيها إلى اصطلاح النقاد من المحدثين ، إذ أن نظرهم هو المعتبر في المؤثر وغير المؤثر في صحة الأسانيد والفقهاء وغيرهم تبع للمحدثين في ذلك .
أجناس العلة
ذكر الحاكم النيسابوري عشرة أجناس للعلة تندرج تحتها الكثير من الأنواع والأفراد ، وليس ما ذكره عن استقصاء تام ، فقد تكون هناك أجناس أخرى ، كما يمكن اختزال هذه الأجناس تحت جنس واحد وهو"الاختلاف"بين الرواة كما قال ابن حجر ( فيما سبق ) .
(1) انظر أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية (1/31-76) .
(2) نكت ابن حجر على ابن الصلاح ص297 .
(3) السابق ص304 .