ولنهب جملًا من طراز:"نهض زيد من نومه"أو"أنا مشتاق لأهلي"أو"عبّرت الحكومة عن استيائها". إن هذه الجمل جميعها تخبر عن شيء أو تكشف عن حالة نفسية أو عن موقف سياسي. ولنأخذ الآن جملة:"أنتِ طالق بالثلاثة". فإن هذه الكلمات إن قيلت على نحو معين وخلال ظروف معينة تخلق وضعًا جديدًا تمامًا. فالزوج تطلّق حقًا والخلية العائلية تتفتت مع كل النتائج الاجتماعية التي يسهل تصورها.
واقتفى الفرنسي دوكرو إثر الانكليزي أوستين فأظهر كيف أن الكلام يتوجه دائمًا نحو مُرسَل إليه وأنه يسعى دائمًا على نحو مكشوف أو مستتر أن يؤثر فيه على نحو بيّن أو لا.
إن المحادثة هي دائمًا محاولة لجر الآخر إلى اتخاذ موقف ما.
إن ما تظهره التداولية للعيان هو أهمية التأثير والتأثر في قلب الخطاب العادي. فإذا صح أن وظيفة الكلام هي بأن يؤثر في الآخرين أكثر مما يسعى إلى إخبارهم فهذا يعني أنه من الصعوبة بمكان أن نفهم كل الفهم خطابًا ما إذا اكتفينا بإرجاعه إلى صاحبه. وهذا يعني كذلك أن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الثنائي الذي يشكله الشخص المتكلم والشخص الذي يوجه إليه كلامه.
ونرى هنا بوضوح نتائج مفهوم التداولية الألسني على دراسة النصوص الأدبية. فإن كان الكلام في اللغة اليومية يهدف دائمًا إلى التأثير على الآخر وإلى تحقيق غاية ما، فإن الأمر هو ولا ريب أكثر وضوحًا وأشد قوة في الأعمال الأدبية حيث يسعى الكاتب على ان لا يترك شيئًا للصدفة، وحيث تنتقي إرادة المؤلف الواعية الصارمة المفردات وتنظمها بعد تفكير وإمعان نظر.
وعليه فإن الكتاب لا يمكن أن يقتصر على الكشف عن بنيته الهيكلية العميقة أو على البحث عن الوشائج القائمة بينه وبين مؤلفه. ولكنه يفرض علينا أن نحلل علاقات التأثير والتأثر بين الكاتب والقارئ.
2 -النقد الأدبي ونظرية القراءة
ولكن ماذا تعني دراسة القراءة؟