الصفحة 35 من 146

ونستطيع أن نطلِقَ على هذا النهج في الرواية اسمَ الإقناع بالانتقاء. فهو ينتقي، ومنذ مطلع الأمر، قارئه من معسكر بطلِ الرواية. فرواية الدعاية الشيوعيّة مثلًا تتوجّه إلى قارئ شيوعيّ أو يتعاطف مع الأفكار الشيوعية. وكذلك روايات الدعاية الإسلاميّة عند نجيب الكيلاني مثلًا فإنها تتوجّه إلى قارئ مسلمٍ أو يتعاطف مع الدعاية الإسلامية. ويجد القارئ نفسه بالتالي، وبحكم بناء الرواية نفسه في معسكر الشخصيات الإيجابيّة ذات الأعمال الحميدة.

فحين يعتبر يحيى حقّي (1905 - 1992) في رواية قنديل أم هاشم

(1944) كأمرٍ مسلّمٍ به أم البطلة الإنجليزيّة ماري تجسّد في ذاتها كلّ سيّئات الغرب ليس لسبب إلاّ لأنها أوروبيّةً، أو حين ينظر زكريّا تامر (1926) في دمشق الحرائق (1973) أو في النمور في اليوم العاشر (1978) كأمر بدهيّ أن مهنةَ الشرطيّ أو رجلِ لأمن أو نشاط المسؤول كافيةً بذاتها لمسخِ الشخصيّة القصصيّة أو لأن ينظر إليها القارئُ على أنها سخيفةٌ أو مُهينةٌ أو آثمة، فإنَّ من حق القارئ أن يرفضَ الدور الذي يقترحه عليه يحيى حقّي أو زكريّا تامر.

ثمة نصوصٌ يصعبُ الدخولُ إليها حقًا ويندرُ أن نقرأها من"الجلدةِ حتى الجلدة".

2 -في البدء كان المَرويُّ له.

2 -1 - أهو نظيرُ الراوي؟.

لقد اقترحَ تعبيرُ المرويّ له أو المسرود له للإحاطة بفكرة القارئ الكامن في ثنايا النص. لقد عرّفه الناقد الفرنسيُّ جيرار جينيت Gerard Genette على النحو التالي فقال:"إنّ المَرويَّ له، مَثله في ذلك مَثل الراوي، هو واحدٌ من العناصرِ التي تكونُ الموقفَ القصصي. وهو يشغلُ بالضرورة ذات الموضع السردي. أي أنّه لا يختلطُ مع القارئ حتى حين يكون مُضمرًا كما أنّ الراوي لا يختلطُ مع الكاتب.".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت