ومن السؤالُ التالي. كيف نعرّفُ العلاقةَ القائمةَ بين القارئِ المُجرّدِ الذي يوجد بوجودِ النصِّ الأدبيِّ والقارئ الحقيقيّ الذي يأكل ويشرب؟.
والحق أن الجواب بسيطٌ. يجب أن ننظُرَ إلى القارئ الأول على أنه دورٌ يُقتَرَحُ على القارئ الثاني أن يقوم به. وأن باستطاعة هذا الأخير أن يرفضَ هذا الدور المقترحَ ويكفيه لذلك أن يُغلقَ دفتي الكتاب. وهذا ما يحدثُ عادةً حين تكون شقّةُ الخلافِ واسعةً بين الآراء التي يقترِحُ النصُّ على القارئ الفعليّ أن يتبنّاها مؤقّتًا خلال القراءة وبين ما يؤمنُ به القارئ فعلًا.
وعلى سبيل المثال فإنّ أحدًا لا يقسِرُ قارئًا على أن يتبنّى نموذجَ القارئ الذي تتوجّه إليه سلسلةُ كرم ملحم كرم (1903 - 1959) ونعني قارئًا مشغولًا بالسبلِ المُلتويةِ التي تطرقها العاطفةُ المشبوبةُ التي تحسُّ بها فتاةٌ من أصلٍ وضيعٍ نحو شابٍ حسن الصورة فاء عليه القدرُ بالنعم وذلك قبل أن يلتقيَ الحبيبان في خاتمة الروايةِ لقاءً يسعدهما بلا شكٍّ ولا ريبٍ.
وكذلك يمكننا أن نطرحَ بعيدًا عنّا دورَ قارئٍ تغلبُ نَزعتُه لعقيدةٍ معيّنةٍ وهو الدورُ الذي كانت تقترحهُ مثلًا روايات الدعاية الشيوعيّة والتي كانت تظهرُ عن دار التقدّم في موسكو بلغاتٍ عديدةٍ منها العربيّة.
ويغلُبُ أن يثيرَ ردّةَ الفعلِ هذه عند القارئ الحقيقيِّ ما يمكن أن نسمّيه بالحكايات"الخصامية". ونعني بذلك الروايةَ ذات البنية الثنائيّة التي توزّعُ أبطالها بين شخصيّاتٍ خيّرةٍ إطلاقًا وأخرى شرّيرةٍ إطلاقًا كذلك. وهذا النوع من الرواية لا يسعى إلى سوقِ القارئ سوقًا هيّنًا لطيفًا إلى حقيقته المسبقةِ وإنما هو ينظرُ إلى القارئ على أنّه مؤمنٌ بتلك الحقيقةِ مسلّمٌ بصدقها قبل أن يشرعَ في القراءة أو هو ينظر إليه على أنه رجلٌ تميل به أهواؤه نحو أولئك الذين يحملون لواء تلك الحقيقةِ في الرواية أو يناضلون في سبيلها.