الصفحة 33 من 146

ويمكننا أن نحيطَ بالقارئ، في ميدان التاريخ الجماعيّ، من خلال القومِ الذين ينتمي إليهم. فالقارئ الفعليُّ لا يرجعنا إلى الجماعةِ التي شهدت ظهورَ الكتاب للمرّة الأولى وحسب، ولكنه يُحيلُنا كذلك إلى كلِّ الجماعات التي مرَّ بها الكتاب منذ ظهر حتى وقع بين يدي قارئنا. وإن كان من المفيد أن نأخذ بالحسبان كلَّ هذه الأقوام القارئة فذلك لأن كلَّ قراءةٍ لنصٍّ ما تحمِلُ في ثناياها القراءات الماضية التي سبقتها.

ونحنُ ما كنّا لنقرأَ مقامات الحريري (1054 - 1122) على النحوِ الذي نفعلُه اليومَ لو أنَّ أبا العباس أحمد بن عبد المؤمن الشُريْشي قرأها قبلنا على نحوٍ غير الذي قام به. وكذلك فإن قراءتَنا اليوم لنجيب محفوظ (1911) لابدّ أن تأخذَ بعين الاعتبار ما قاله عنه الناقد جورج طرابيشيّ في الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزيّة (1973) .

ولكن القارئ وقبل أن يكون ذا حقيقةٍ تاريخيّة ملموسةٍ فرديّةٍ أو جماعيّةٍ فإنه حالةٌ أو هيئةٌ أو صورةٌ تكمن في خلايا النصِّ. أي أنّه المرويُّ له المستتر الذي يتوجه إلي الحديث.

وصورةُ القارئ هذه التي يُنشئها النص لا يحدّدها نوعُ النصّ الأدبي وحسبُ (تفترضُ الرواية البوليسيّةُ قارئًا مُحققًا بينما تفترضُ القصةُ الفلسفيّة قارئًا ناقدًا) ولكن يُحددها كذلك شكلُ التعبير الخاص بكل نوع أدبيٍّ. فكتاب طه حسين (1889 - 1973) في الشعر الجاهليّ (1926) لا يتوجّه بسبب لغته وأسلوبه على الأقل إلى ذات الجمهور من القرّاء الذي يهدِفُ إليه إحسان عبد القدوس في رواية لا أنام! (1956) .

1 -3 - النصُّ وخارجه.

إن المحاولات السابقة للإحاطة نظريًّا بالقارئ تُظهِرُ للعيان أنّ حدودًا واضحةً تفصِلُ بين العالم الذي يُنشِئه النصّ وبين العالم الذي يقوم بنفسه خارج النصٍِّ. فهناك القارئُ الوهميُّ الذي يفترض النصُّ وجودَه ويحمِله في ثناياه وهناك القارئ الفعليّ الحيُّ الذي يُمسكُ بالكتاب بين يديْه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت