الصفحة 32 من 146

ومن خلال ما يقوله وبالطريقة التي يقولُها فإنّ النصَّ الأدبيَّ يفترِضُ دائمًا نمطًا خاصًّا من القرّاء, فراوي إدوار خرّاط (1926) في رامة والتنّين أو ساردُ جبرا إبراهيم جبرا (1919) في رواية البحثُ عن وليد مسعود (1987) لا يتوجّهان إلى ذات القارئ الذي يقصدُه إحسان عبد القدوس (1919 - 1990) في أنا حرّة (1954) أو مثيله عند يوسف السباعي (1917 - 1978) في جفت الدموع (1961) !.

ويمكنُنا أن نستنتجَ من خلال هذه النصوص أن القرّاء الذين تتوجّه إليهم ليسوا جميعًا على ذات الدرجةِ من الثقافةِ النظرية ولا تشغلهم ذات الهموم وأن أعمارهم متفاوتةٌ.

كيف نصل إلى هذه النتيجة؟

إننا نستخلِصُ ذلك من خلال المواضيع التي يطرقُها النص الأدبي ومن خلال اللغةِ التي يلجأ إليها لمعالجة تلك المواضيع. ونستطيع كذلك بفضل هذه الإشارات أن نُظْهِرَ ملامحَ القارئ الذي يخاطبه الساردُ.

وعليه فإن المَروِيَّ له، شأنه في ذلك شأنُ الراوي، لا وجود له إلاّ في ثنايا الحكاية، وهو ليس إلاّ حصيلة الإيماءات التي تُنشِئه.

1 -2 - القارئ بصفته فردًا أو صورةً أو عضوًا من جماعة.

إن ذهبنا من التمييز الذي رأيناه فيما سبق استطعنا أن نحصي الأشكالَ التي يتخذُها القارئُ أو الأقنعةَ التي يحملُها. فلنا أن نراه كفردٍ فذٍّ قائمٍ بذاته المتفرّدة أو كعضوٍ من جماعةٍ بشريّةٍ معروفةٍ أو كصورةٍ كامنةٍ من النصِّ يُنشئها النصُّ بوجودِه. ولنا أن ننظرَ إليه كجميع ذلك معًا وفي ذات اللحظة.

فلننظر الآن إلى القارئ الفرد المتميّز. إنّه لمن الصعب والحقُّ يقال أن نحيطَ بالقارئ حين نعتبره شخصًا محدّدًا وذلك لأن ردودَ أفعاله أمام النصِّ الأدبيّ تخضعُ لأسبابٍ نفسيةٍ وأخرى اجتماعيّةٍ وثالثةٍ ثقافيّةٍ متنوّعةٍ تنوّعًا شديدًا. ولكنّ علم التحليل النفسيّ، كما سنرى في خاتمة هذه الدراسةِ، قد يساعدنا على استخلاص بعض الثوابت الكامنة في القارئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت