الصفحة 31 من 146

فمن جهة المرسِل، لقد صار من المتعارَف عليه أن نميّزَ بين الطرف الذي يخلُق النصَّ ويُظهِرُه إلى الوجود، ونعني بذلك الكاتبَ عينه، وبين الطرفِ الذي يظهرُ إلى الوجود مع النصِّ وينهض بمهمّةِ إعلانه، ونعني بذلك الراوي. فالذي يكتبُ ليس الذي يسرُد. ونحنُ لا نخلطُ البتّةَ بين شخص الكاتب توفيق الحكيم

(1898 - 1987) وشخصيّة موظّفِ القضاء الذي يروي لنا مشاهداته في الريف المصريّ رغم أنّ الرواية تقدّم نفسَها على أنّها مذكّرات نائب في الأرياف!

وكذلك يتميّز الكاتب شكيب الجابري (1912 - 1996) ذو الحياة المعروفة والمدروسة بعنايةٍ والموثّقة في معجم الروائيين العرب للدكتور سمر روحي الفيصل عن راوي قدرٌ يلهو (1938) والذي لا نعرف عن حياته إلاّ شذرات مبعثرة هنا وهناك في أرجاء الكتاب.

فإذا شدّنا الفضولُ لمعرفةِ حياة الكاتب أو لمعرفة شيءٍ ضئيلٍ منها فلابدَّ لنا من تحقيقٍ وبحثٍ قد يكونان طويليْن وشاقيْن وجمعِ وثائقَ قد يكون بعضُها رسميًّا وقراءةِ مذكّراتٍ تركها المؤلّفُ نفسُه أو بعضُ معاصريه، وقد يضطرّنا الأمرُ كذلك إلى سفرٍ مُنهِكٍ وترحالٍ إلى بلادٍ بعيدةٍ لتقصّي آثار الرجلِ ومراحلِ أيّامِه.

ولكنّه يكفينا أن نقرأ الروايةَ لنلمَّ بكلِّ ما يمكن أن يُعرَفَ عن الراوي!.

إنّ الراوي هو إذن خليقةُ الكاتب وصنيعتُه وهو يتفرّدُ عنه بجنسِه وبمشاربه وبطبائعهِ وبمثُلِه الأخلاقية.

فراوي حماري قال لي (1945) على ذكائه وفطنته المدهشة ودعابته ينتمي إلى جنس البهائم، وليس كذلك بطبيعة الحال كاتبُ النصِّ توفيق الحكيم!

وأمّا من جهةِ المُتلقّي فهو في نفس الوقتِ قارئٌ حقيقي من لحمٍ ودمٍ ذو صفاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ تتنوّعُ حتى لا يكاد ينضبُ تنوّعُها، وهو كذلك شخصيّةٌ وهميةٌ يفترضُ وجودَها وجودُ الراوي نفسِه. فكلُّ نصٍّ يتوجّه بالضرورةِ لقارئٍ أي لمُتلقٍّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت