فالدراسة التي تنحصر في بحث البنية الهيكلية كان لا بد لها أن تنتج نماذج نقدية مفرطة في العمومية أو غاية في الغموض!. ولقد تم البرهان على أن الأنساق التي كان المنظرون الجماليون قد أعلنوا أنها لحمة الأدب وسداه وأنها تخص الأشكال الأدبية دون سواها موجودة كذلك في أشكال غير أدبية. ولقد طبق الفرنسي رولان بارت، وبدون صعوبة تُذكر، المنهج البنيوي على أفلام جيمس بوند!. واكتشف مواطنه جريماس، وبدون كبير عناء، الأشكال الأدبية الكبرى في الوصفات التي تقترحها كتب المطبخ!.
والنقد الجمالي البنيوي، بصفته علم لما هو عام وشامل، يقصر عن إدراك خصوصية هذا النص الأدبي أو ذاك. فهو إذ يحاول أن يصف القواعد التي تنطبق على مجموع الأعمال الأدبية التي تنتمي إلى الصنف الأدبي المدروس كرواية السيرة الذاتية أو الرواية التاريخية أو غيرها فإنه لا يرى بصمة الأديب المميزة ولا مهارة صنعته والتي تسبغ على النص هويته الخاصة. فتعدّد وجهات النظر الروائية هو أكثر ما يشدنا في الرواية الديستويفيسكية مثلًا ولكن لا بد لنا من الإقرار أن هذه الوسيلة لا تبلغ نفس الغاية حين يستخدمها كتّاب ضعفاء. ولقد قلد أبو الطاهر محمد بن يوسف السرقسطي (1143م) كل محسّنات الحريري (1054/ 1122م) وسلك طريقته في التأليف والنظم ولكننا ما زلنا نقرأ مقامات الحريري ونعجب لأحابيل أبي زيد السروجي ولتمكّنه من اللغة وآدابها ونكاد نجهل كل شيء عن السرقسطي!.
إن قيمة العمل الفني لا تقاس بوجود هذه التقنية الفنية أو تلك فيه ولا بغيابهما عنه. إنها تعود إلى أسباب لم يستطع علم الجمال البنيوي الإحاطة بها. ولقد حث قصور المنهج البنوي الدارسين على تجديد طرقهم في النقد الأدبي. ثم صار هذا التجديد ممكنًا حين خرجت الدراسات الألسنية الحديثة من الميدان الذي كان مؤسسوها قد رسموه لها فأشرفت على آفاق جديدة.
1 -تطور الألسنيات وازدهار مفهوم التداولية