وها هم يبدؤون في دراسته من خلال الشخص الذي ينفخ في النص الحياة والذي لولاه ما وُجِد نص ولا أُلّف كتاب. ونعني القارئ. لقد بدأ المهتمون بالأدب في منتصف العقد السابع يدركون أن السؤالين الجوهريين اللذين طالما شغلا الناس وهما ما الأدب؟ وما أفضل السبل لدراسة النصوص الأدبية؟ إنهما يعنيان في حقيقة الأمر أن نتساءل لماذا نقرأ كتابًا؟
ما هي أفضل السبل للإحاطة بخلود مقامات الهمذاني أو بعظمة رسالة الغفران أو بإخلاص القارئ العربي لبخلاء الجاحظ؟. أيكون ذلك في دراسة الحياة الفكرية في القرن الثامن العباسي وتياراتها في البصرة بالنسبة لأبي عثمان أو في القرن العاشر وفي خراسان أو سوريا بالنسبة لأبي الفضل وأبي العلاء؟. أم يكون ذلك في تقصي حياة عمرو بن بحر (775 - 868) والتنقيب في أسرار حياة أحمد بن الحسين (968 - 1007) وكشف النقاب عما خفي من معيشة أحمد بن عبد الله التنوخي (979 - 1058) ؟. أم أن ذلك يكون بأن نوجه أبحاثنا في طريق أخرى وهي أن نسأل القارئ العربي عما يجده أو يعتقد أنه واجده في هاتيك المؤلفات؟. فهذه الكتب جميعها وكل الكتب الأخرى لم تظهر للوجود إلا بفضل القارئ ولا تستمر بالبقاء إلا بفضل العناية الخاصة التي يوليها لها!
لقد ظهر الاهتمام بالقراءة حين راح ضعف المناهج النقدية التي كانت تستوحي النظريات البنيوية يبدو جليًا للعيان. ثم راح هذا الاهتمام يتزايد بمقدار ما كان يكبر وعي بعض النقاد بأنه من العبث بل من الحماقة أن يلخص النص الأدبي بسلسلة من الأشكال المجردة كما كانت تقترح الدراسات البنيوية.
لقد كان النقد الأدبي قد سلك دربًا مسدودًا.