إنّ شرحَ النصوص الأدبيّة شرحًا مفصّلًا وهو ألف باء الدراسات النقديّة كما يمارسُه المدّرسون والنقّادُ ومحترفو الأدبِ يجعلهم يُدركون أنّ إعادةَ القراءة ليست نشاطًا عابرًا أو جزئيًّا كما يحدثُ مثلًا حين يلجأ إليها القارئُ بسبب شرودهِ أو ضعفِ انتباهه عند القراءة الأولى. وهم يعرفون كذلك أن إعادة القراءة ليست كذلك نشاطًا منهجيًا شاملًا ولكن محصورًا بالهواة ذوّاقةِ الأدبِ. إن خبرتهم تجعلهم يتساءلون إن لم تكن القراءةُ الثانيةُ أمرًا لابد منه على الإطلاق خلال القراءةِ العاديّة نفسها لإدراك الرواية إدراكًا شاملًا. ولابد من معرفة بعض التفاصيل التي لا نستطيع رؤيتها إلاّ عقيْب القراءة لفهم المقصود من هذا المقطع أو ذاك.
نحن نرى في الفصل الأول، بل في الصفحات الأولى من عصفور من الشرق (1938) شابًّا يأكلُ بلحًا في شوارع باريس ويلفظُ نواتها تحت مطرٍ عارمٍ ويتخيّلُ نفسه في ميدان المسجد بحيِّ السّيدة زينب وهو يتخيل أن نافورة ميدان الكوميدي فرانسيز هي سبيل مسجد السيّدة.
ولن يتذوّق القارئُ تمام التذوّق هذا المشهد إلاّ إن كان يعرِفُ أنّ هذا الشاب هو مصريٌّ وأنّ السيدة زينب هي رمزُ الطهارةِ والقدسية، وأن براءةَ المسجد هي التي ستنقذُه من تدهورِه الأخلاقيّ وأنّ الفنّ الذي يرمز إليه الكوميدي فرانسيز سيكون ملجأه وبرجه العاجي بعد مغامرته العاطفية. وهذه التفاصيل لن يعرفها القارئ إلاّ في الفصول التالية من الرواية. وعليه أن يعود ثانية إلى الوراء أو أن يعيد قراءة الفصول الأولى كي يربطَ هذا بذاك وأوّلها بآخرها.
وكذلك عنوان الرواية، وهو لقبُ البطل أيضًا، لن يستوعبه القارئُ إلاّ إذا كان يعرفُ أن الشرقَ هو رمزُ الروحانيّةِ والبُعدِ عن الماديّة الغليظةِ التي تميّز أوروبا كما سيقول توفيق الحكيم (الإسكندريّة، مصر 1898 - القاهرة 1987) فيما سيأتي من صفحات الرواية.