وكلّما خُيّلَ لسعيد مهران وبالتالي للقارئ أن لحظة الانتقام قد أزفت كلما دفع بها الكاتب إلى أجلٍ آخر. فمن الواضح أن عقاب الخائنْينِ سيعني نهاية الرواية. وعليه فإن هذا العقاب يجب أن يقعَ في صفحات الكتاب الأخيرة. ولكن إيهام القارئ بشيءٍ ثم إظهار غيره وسيلةٌ ناجعةٌ لإبقاء تطلُّعه يقظًا ورغبته في معرفة الخاتمة شديدةً.
ففي الفصل السابع مثلًا، أي في منتصف الرواية تقريبًا، يُطلق سعيد النار على عليش من خلال بابٍ مغلقٍ ويحسب أنه قد نال مأربه وأنه قد أوقع بالخائن ما يستحقه. وكذلك القارئ الذي يرى الأحداث من خلال عينيْ البطل فإنه يشاطره ذلك الوهم ويؤمن أن جزءًا من خطّة البطل قد تحقق.
ولكن يقظة القارئ تتضاعف وفضوله يشتدُّ حين يكتشف في الفصل الثامن أن القتيل لم يكن عليش وأن قوى الأمن تلاحق بطل الرواية بتهمة القتل. وهذا تطوّر مفاجئٌ في الرواية يُعقّد أحداثها ويضيفُ إليها بعدًا عاطفيًّا جديدًا وهو بالتالي يضاعف من رغبة القارئ في معرفة ما سيأتي.
إنّ تلاعب النصِّ بالقارئ وبأعصابه وهو من أجمل مفاتن القراءة قائمٌ بأكمله على أفقيّة السرد وعلى"خطيّة"القراءة. ولولا القراءة الساذجة لفقد القارئ كثيرًا من متعة القراءة وسحرها.
3 -3 - القراءة الثانية.
إن كانت القراءةُ الأفقية هي أقربُ أشكال القراءة من طبيعتها وأكثرها احترامًا لأصول تنظيمها فإنها ليست أغناها ولا أكثرها أهميّةً. وليس تتابع الأحداث هو صفة الحكاية الوحيدة.
وليس النصُّ الأدبيُّ سطحًا أو خطًا مستمرًا وحسب ولكنّه"كتلةٌ"لا تظهرُ الوشائجُ القائمةُ بين أطرافها ولا طبيعةُ العلاقةِ بين هذه الحادثة السرديّة وتلك أو بين هذا المقطع وذاك إلاّ عقب قراءة ثانيةٍ. وعليه فإن تكرار القراءة هو أكثر ما ينسجم مع النصوص الأدبية المعقدة.