ومهما يكن الأمر فإن تحليل الناقد الألمانيّ تحليلٌ تاريخيٌّ. وإذا أهملنا جمهورَ النصِّ الأوائل أي إذا أهملنا مجموعَ القرّاء العاديين فإننا لن نفهمَ البتّةَ ما صار إليه هذا العمل الأدبيّ أو ذاك ولن نفهمَ أبدًا تطوُّرَ الأدبِ ولا تاريخ الأنواع الأدبيّة.
3 -2 - القراءة الخطيّة.
إن الانتقالَ من نظرية التلقي كما صاغها منظّرو مدرسة كونستانس والتي تخضع للمنظور التاريخيّ إلى مختلف نظريّات دلاليّة القراءة والتأويل التي تولي عنايتها للبنيّة النصيّة يعني أن تُطرَح المسألةُ من جديد وبمفردات مختلفة.
والأمر أنه ما إن يبدأ الناقد بكشف النقاب عن سبل القراءة الكامنة في النص حتى يضع خيارُه النظريّ الجوهريُّ وجهًا لوجهٍ القراءةَ"الساذجة"والقراءة"العارفة"أو القراءة"ذات الخبرة". ونقصد بالقراءة الساذجة تلك التي تلتزم بمسيرة الكتاب الخطيّة الأفقية. وأما القراءة العارفة أو ذات الخبرة ففيها يوظِّف القارئُ معرفته العميقة بالنص والتي نتجت عن قراءةٍ سابقةٍ لذات النصِّ فيروح يقرأ الصفحات الأولى من النص على ضوء ما يعرفه من خاتمة الكتاب.
إنّ القراءة"الساذجة"هي أكثر القراءتين شيوعًا ولا ريب. والنصُّ الأدبيُّ يكتَبُ كي يُقرأَ وهو ينمو مع الزمن. ولابدّ من الأخذ بعين الاعتبار بهذه النقطة الأساسية إذا أردنا أن نفهم كيف يعمل النص.
ولنأخذ على سبيل المثال رواية نجيب محفوظ اللصّ والكلاب (1961) لإيضاح ما نقصده. إن الرغبةَ بالانتقام هي حافزُ سعيد مهران الشخصية الأولى وما يفسر أغلب ما يأتي به. ومعرفة القارئ بهذا تثير تطلُّعَه وتدفعه إلى متابعة القراءة. وككلّ فنانٍ ماهر يتقن صنعته يرمي نجيب محفوظ ببطله، وبقارئه كذلك، ومنذ الصفحات الأولى في قلب المغامرة. ومنذ السطور الأولى يشير إلى من سيلاحقهما سعيد مهران بكراهيته ويصبُّ عليهما جام غضبه، نبويّة زوجته الخائنة وعليش صديقه الغادر.