الصفحة 24 من 146

وهناك مثل شهير على سوء التفاهم الأدبي هذا نأخذه من الأدب الفرنسي. فلقد كتب أوجين سو Eugene Sue (1804 - 1857) روايته المشهورة أسرار باريس وبدأ بنشرها على حلقات متسلسلة في عام 1842. وكان يتوجه بها إلى جمهور من القراء الميسورين ويهدف أن يقدّم لهم لوحات طريفة من أزقة باريس بغاية تسليتهم والترويح عنهم. ولكن بروليتاريا باريس فهمت الرواية على نحوٍ مختلف تمامًا وتوهمت أنها إدانة شديدة لأوضاع حياتها البائسة وفضح لفقرها ودعوة سافرة للثورة.

وعندما أدرك أوجين سو أن عمّال باريس فهموا الحلقات الأولى من روايته على نقيض ما أراد حاول أن يقنعهم في الحلقات التالية أن معيشتهم ستتحسن بفضل الحركات السياسية الإصلاحية وعندما تمتثل الطبقة العاملة لإرادة الطبقات السائدة.

ولكن خطأ التأويل ظل قائمًا وأدى إلى نتائج خطيرة. ولقد شوهد قراء أسرار باريس وهم ينصبون متاريس للثورة العمالية التي هزت العاصمة الفرنسية عام 1848. ولقد"تلاعب"قراء أوجين سو بنصه"وغشّوا"إذ قرؤوا رواية إصلاحية حقًا على أنها رواية تدعو إلى الثورة.

ليست القراءات كلها إذن مشروعة. وهناك فارق أساسي بين قراءة تستخدم النص أي تُكرهه على قول شيء ما وبين قراءة تؤول النص أي أنها تستجيب إلى ما يُبرمجه.

3 -القراءة الساذجة والقراءة النقدية:

3 -1 - جمهور القراء الأوائل

ما هي القراءة التي ينبغي علينا أن نختارها موضوعًا للتحليل من بين كل القراءات التي يبيحها النص الأدبي؟ إن الألماني جوس H.R. Jauss يقترح أن نأخذ بعين الاعتبار القراءة الأولى التي استقبل بها النص حين ظهر للوجود. وموقف الناقد الألماني هذا يعود إلى رغبته بالحفاظ على موضوعية التاريخ الأدبي. فالوسيلة الوحيدة لإدخال دراسة التلقي ضمن مواضيع تاريخ الأدب هي أن نكشف النقاب عن التأويل الذي ساد بين القراء في العصر الذي نُشِر فيه النص للمرة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت